أصــوات سيتي // بقلم: ذ. ميلود بنعقية

تحشش المحشش حشيشا محشوا بالحشيش النيئ، وأردفه بنفحة من “الحمار” ومن النوع الرفيع ثم ردد شطحات “جونكية”: “أممتي على نفحة”!!؟ ثم أغمي عليه وسط فضاء متسخ فيه قزعبلات الشياطين وأثر العفاريت.

إنه رشيد في منطقة مهجورة من الإنس والجن والطيور إلا الحشرات، فيها أعشاب ذبلى ويابسة من كثرة الشمس. دخلت إحدى الحشرات في أذنه اليمنى فاستيقظ رشيد برهة ثم رجع الى خياله الدفين بين الموت والحياة، ويا لها من حياة !!؟

بال السلوقي بجوار خياشيمه وقتل نملة كانت تراود ظل أنفه وتهدف غار أذنه العليا، حينئذ أحس بخرير من المياه العذبة تنساب فوق شعر بدنه المتسخ، وموسيقى الطبيعة الخلابة تغازله بأجمل الكلمات ثم غطس في ماء زلال عذب فزاد حسنا وجمالا ورأى حبيبته في المياه تلاعبه وتداعبه تغازلها بأجمل التعابير وأحسن المفردات والصفات، آنذاك حرك بدنه النحيل إلى جهة اليمين ثم وضع رأسه فوق وسادة سوداء مملوءة بالنفايات. شم رائحة بول طفل مدخرا أياما في بنك خروقات:

-“آه! إنها الشوكولاطا! أتأكلين يا حبيبتي؟

-ابتسمت في وجهه قائلة: “لا يا عمري!”

-“إنها لذيذة جدا يا نونجة!”

وفجأة دفعه المختار برجله اليمنى محاولا حقن مادة الكوكايين في عصب قدمه اليمنى، وغسل مليا بالليمون رجله اليمنى فقط ثم بصق على أذنه زميله في الحرفة مستهدفا نملة أخرى كانت تهرب سلعا من إحدى أذن رفيقه إلى جهة أخرى.

-“إنه ماء عذب يا حبيبتي! اسبحي معي وليس مع غيري! أحبك حبا جما”.

-“استيقظ يا ولد الخنثى! جاء دوري! نوض أولد لحرام، الله ينعل لي خلاك! أتفو!!!”

وقف رشيد وقفة فنية، كالثمل، يتأمل ويدرس المحيط من اليمين إلى الشمال، وحاجباه شكلت زاوية حادة فوق حدود بندقيته أنفه الأفطس يميل تارة إلى اليسار وتارة إلى جهة أخرى مركزا عيناه على “والو”.

تقدم إلى الأمام خطوة تلو خطوة، ويالها من خطوة “دادش”. بال في سرواله مرارا وتكرارا من كثرة الغطس في الخيال.

تدحرج مليا تجاه شارع عمومي شاسع وعريض، والنسيم العليل يستيقظه من سباته العميق، عينه اليمنى نائمة تماما واليسرى متأملة مأواها. فكانت حاوية النفايات مستقرا له لتتمة نومه ولتتبع جمال مفاتن حبيبته نونجة.

صعد توا إلى الحاوبة وتفرش ورود أوراقها واتكأ على كل جمال مفاتنها. وأغلق باب الحاوية بخشونة ثائرا على مطاردة أشعة الشمس له.

استقر في إيوانه وتنفس الصعداء!

“الله ينعل البشر!… بشر… شر البشر…”

نام نوما عميقا، بل قل مات والسلام! رمى الجيران فوقه عدة نفايات، وما أدراك ما النفايات! واوراق انتخابات وشعارات أحزاب، وملصقات نقابات، وما لليقظة إليه من سبيل حتى رأى العفاريت والتماسيح تجري وراءه لتنال من الأيام السعيدة التي يقضيها مع حبيبته على ضفة نهر حدودي.

كره الشمس التي تشرق من الشرق وكره كذلك العفاريت التي لا تعيش إلا في الفيافي الشرقية وما أحب التمساح الذي يريد أن ينهش بدنه الهزيل.

أحس بالجوع يقطع خلايا أمصاره كأن أرنبا حل به وينهش بطنه بداخله ناحية الشمال والجنوب، التوى من شدة العضة برهة ثم تحرك خيال دماغه الكسلان.

نزل الى مقهى باريس يحترس الفضاء غاب النادل ثم شرب قنينة كاملة من زيت العود ونهش بقايا الحلويات المتبقية ثم اخذ علبة المربى وقطعة من الجبن ودفنهما في تراب المزهرية للأيام العجاف، رجع توا إلى طاولة أخرى قد غادرها المسافرون إلى الديار الأوربية وشرب ما تبقى من عصير.

“كل الأمازيغ مسافرين إلى الحرية إلا أنا!!! ومالي أنا!!؟ أنا بشر! أليس كذلك؟”

ثم غنى: “ما أنا إلا بشر، وأنت كلك شر وخطر أخويا البشر”.

آنذاك دهسته سيارة “ريفولي” في طريق عمومي محملة بسلع مهربة كانت تجري بسرعة جنونية وأردته قتيلا حرا طليقا في جنان الرحمان بعيدا عن شر عدنان”، فما سأل سائل من عالم التماسيح عن هويته ولا عن دفنه ولا عن تعويض تأمينه.

شارك المقال :