أصـــوات ســـيتي / بقلم ذ. محمادي راسي

“تبدأ الحرية حين ينتهي الجهل، لأن منح الحرية لجاهل كمنح سلاح لمجنون” فيكتور هيجو

“قلة الدين وقلة الأدب وقلة الندامة عند الخطأ وقلة قبول العتاب أمراض لا دواء لها”. سقراط

“أسوء أنواع الألم هو ذلك الذي يواكب الكثير من الوعي… والقليل من القدرة على تغيير الواقع”. هيرودوتس

ـــــــــــــــ

إن الحديقة هي رئة المدينة تتنفس بها، وهي كواسطة العقد الجميلة في القلادة، أو كقلائد الشعر النفيسة التي لا تنسى، والمرآة التي تعكس مدى ازدهار المدينة وازديانها، ولوحة طبيعية تترجم درجة مستوى الساكنة اجتماعيا واقتصاديا وحضاريا وثقافيا وصحيا وفنيا، لذا يلزم ويجب أن نحترمها طرا، لأنها المتنفس الوحيد لأهل المدينة الذين لا يرون إلا الجدران والإسمنت والزفت والآجرّ والقرميد، ـــ لا يرون نشاطا رياضيا ولا فنيا ـــ ولأنها مكان للترويح والتنزه والاستراحة والاسترواح للقضاء على الرتوب والملل للكبار والصغار والشباب، والأطفال والأسر، ولجميع الساكنة بدون استثناء، ومكان للتأمل في فضائها وطبيعتها؛ الاخضرار، المياه المتدفقة من الفساقيّ، العصافير بأنواعها وأشكالها، ولأنها مصدر إلهام للشعراء والرسامين والفنانين..

نعــــــــــم للحديقة، ولكن أن نحترم فضاءها وباقي المساحات الخضراء، أن نسير في المسالك الخاصة للسير، ونجلس في الأماكن الخاصة للجلوس، ولكننا جميعا لا نحترمها لغياب ثقافة احترام الملك العام والأماكن العمومية، نعمل على قتل نجمها، وقطع أشجارها، وتخريب ما خصص لوضع الخمامة، وأين المصابيح الكهربائية التي كانت في وسطها؟؟، والبعض ثرعا وليس شرعا، يخالون أنها ضيعة خاصة بهم، فيعمدون إلى وضع الكراسي والموائد فوق أعشابها، فهل هناك ملكية تثبت التملك؟، فمن أراد ذلك عليه أن يفعل ما فعله أهل الضيعات الفلاحية خارج المدن، من تخصيص ضيعاتهم أماكن للمطاعم والمقاهي والتنزه والاستراحة واللعب بالنسبة للأطفال.. أو عليهم أن يذهبوا إلى الخلاء ــ فخلاؤك أقنى لحياتك، أو خلاؤك أقضى لحيائك ــ إذا أرادوا الرقص والقمار والشيشة والضجيج والإزعاج!!!، الشريعة الإسلامية تحث على احترام الطرقات وتخفيض الأصوات “إن أنكر الأصوات لصوت الحمير”، على السلطات المحلية أن تقوم بواجبها، وتعيد النظر في هذا السلوك الذي لا يمت بصلة بتمدن وتحضر المدن، ولا بد من توفير الأمن والراحة للساكنة وليس: “حيد علي وشقف”، و”ماشي شغلي”، فمن لم يستطع أن يتحمل المسؤولية، وليس في مقدوره أن يخدم الساكنة والمواطن والوطن عليه أن يرحل.

منـــــذ ظهور هذه الحديقة في 2010م وهي في طور التكوين والنشوء والارتقاء، من حيث الغرس والتشجير والعناية بفضائها، ورعاية عشبها وشجرها، تتعرض كل سنة للتخريب منذ أوائل فصل الربيع إلى أواخر فصل الخريف، يبغبغ نجمها بالأقدام وأرجل الكراسي والموائد، ويقلع ما يغرس فيها بالأيدي، وتتعرض سيقان الأشجار للجروح، وتتبول الكلاب وغير الكلاب على جذوعها، فتمتص البول جذورها، وحتى البهائم والدواب تساهم بنصيبها في تخريب هذه الحديقة إلى أن تصبح خما مليئا بالكناسة والخمامة، وبنبت ثمام قش شاحب مصفر كالورس، بعلة وعلل عديدة؛ كالإهمال والإغفال وغياب الحراسة والسياج، كما أننا جميعا لا نحترمها، والحدائق رمز للحياة والقوة والنشاط، من حيث الاخضرار الذي يدل على الحياة والاستمرار، إلى جانب المياه المتدفقة من الفساقيّ والنافورات والأحواض، كما أنها تعكس ثقافة الساكنة ومدى تحضرها وتمدنها والحفاظ على الممتلكات الخاصة  والعامة.

كل سنة تعرف هذه الحديقة هجرات من بداية الربيع إلى نهاية الخريف، أطول أمدا وزمنا من مواسم الزوايا، والمهرجانات والمناسبات الأخرى، تشد الرحال إليها خلال الفصول الثلاثة، من بعد العصر إلى الفجر وهو استعمال الزمن المعروف خلال السنوات السالفة الذي كانت تطبقه بعض المدارس الشيشية في عقرها وعلى جنباتها، بمباركة بعض المقاهي التي مازلت متعنتة في استفزاز الجيران، وبمباركة أوناسيس المفلس، والقلاع و”العزاف”.وو.. والمسؤولون غافلون ويتغافلون لحاجات وغايات لا نعرف أسبابها، لأنهم يمرون بتلك المناظر التي يراها الصغير والكبير والجاهل والعاقل والمثقف والأمي والقط والكلب والحمار والجحش واليربوع والنمس والناموس… 

موسم الهجرة يترأسها الدعابيب والهداد الذين يستقطبون ويشجعون ويستدرجون ــ ليربحوا في تجارتهم المشبوهة ــ المدغدغين الفارغة عقولهم وجيوبهم والمدمنون على الشيشة وما يشبهها إلى وسط الحديقة، لمراقبة المنازل نوافذها وأبوابها، وتتبع الداخلين والخارجين والمارين من نساء وبنات ورجال، كأنهم قلاعون، أو جواسيس، أو سماسرة، أو أنهم النطار والنظار لحراسة الحديقة وحمايتها ولكن العكس من ذلك، فقد قتلوا ويقتلون كل ما نبت وينبت، وكل ما هو أخضر وحي من النبات والشجر، أين المكلفون بالبيئة…؟؟، ماذا بعد زيارة الوفد الوافد من الناظور في 2014م لأجل الإصلاح والتهيئة والتسييج كما قيل، ولكن إلى يومنا هذا لا شيء من ذلك…؟؟؟ وقد شرعوا في الغرس والتشجير والسقي في يوم 17 يناير 2016م، في الجزء الخالي على أساس إصلاح الحديقة…؟؟؟، فكل ما غرس ديس ودهس وهس إلى أن يبس، فجل تلك الأعمال ذهبت مع أدراج الرياح، يوهمون السكان بأنهم

يشتغلون ويهتمون بالبيئة، إنهم يضيعون الوقت والمال، بل إنهم فاشلون في المهمة التي أسندت إليهم، وعاجزون عن تحمل المسؤولية والدليل على ذلك؛ وضعية الحديقة المتدهورة من كثرة الدياسة بالأقدام والحوافر وأرجل الأخونة، ومن كثرة الهجرة إلى الحديقة بدون شرعية، هجرت القواطع والأوابد والروامس والحمائم واليمائم، وو.. ـــ وهي واعية أكثر من الإنسان أن العيش بهذه الحديقة من المحال ــ بسبب قتل الطبيعة، وتلويث البيئة بالدخان، وبأصوات المدمنين والمقامرين والمدغدغين والدعابيب والهداد، الذين يزعجون بأصواتهم المرتفعة الساكنة أثناء الليل في الوقت الذي تحتاج فيه إلى النوم والراحة، هذه الحديقة تحتاج إلى طائر التدرج أو الحيقطان الذي يقوم بمطاردة الناس والحيوانات كالقطط والكلاب… أو النسر المكنى بأبي الأبرد أو أبي المنهال الذي تخافه كل الجوارح والإنسان، وإلى العقاب المسمى بالكاسر وهو سيد الطيور، ليضبط هذه الحديقة، وإلى الصقر الصاقر ذي البصر الحاد ليحرسها ليلا، ويقضي على الأفاعي، وإلى العقّيب الذي يقضي على الفئران والجرذان والمناجذ، ولا تحتاج في ظروفها الصعبة إلى الطاؤوس أو الطاووس ــ وهمزته بدل من واو ــ المتكبر المزهو بريشه وقنبرته وثرعلته، ولكن مع حسنه وجماله يتشاءم به، وهذه من طبيعة بعض الناس، و”لا تجعل ثيابك أغلى شيء فيك، حتى لا تجد نفسك يوما أرخص مما ترتدي” جبران خليل جبران.

مادامت اللجنة المكلفة بالبيئة التابعة للبلدية عاجزة عن ضبط أمور الحديقة، من حيث الصيانة والرعاية، فمن يرد السيل على أدراجه؟، عليها أن تترك المجال للجنة المكلفة بالثقافة، والتي ستخلق من فضاء الحديقة مسرحا في الهواء الطلق، أو مسرح الفرجة، أو الحلقة، أو الجوقة، أو المسرح الدائري، أو المسرح الفردي المونودرامي، أو أن تجعله “جامع الفنا” كما بمراكش، أو أن تجعله مسرحا للامعقول، أو ذهنيا، ما دام الممثلون موجودين دائما، من بعد العصر إلى الفجر، يقومون بأدوار مختلفة متنوعة؛الشيشة/ القمار/ الإدمان/ التحرش/ الترصد/ استغلال الملك العام/ الاستفزاز/ إزعاج الساكنة/ قلة الأدب/ الكلام الفاحش/، بدون مخرج ومراقب… مسرح “بوقيوع”… ولهم الحق في الانتقال إلى مختلف الأحياء، وبجانب منازل المسؤولين والمنتخبين وأصحاب السلطة والقرار، وأهل الحل والعقد، لتكون الهجرة مكثفة إلى مثل هذه المسرحيات التي يقوم بها الدعابيب والدراجون والمدغدغون الذين يصبون مشاكلهم على الآخرين بعقدهم، لينسوا مشاكلهم داخل أسرهم… يقضون الوقت في الترصد والإشارات والقراءة التيليباتية والمورسية والتحرش والتعويض والتصعيد والتشهير.. إنهم روميون وقيسيون وجميليون وخوانيون وعنتريون وعمريون و”هداويون” وتاناتالوسيون وو.. فعلى اللجنة الثقافية أن تبادر إلى اكتشاف مثل هذه المواهب، للقيام بمسرحيات تحطيم الجدار الرابع، أو المسرح الجديد السوريالي العشوائي، لتشجيعها على الإنتاج والإبداع، في عقر الحديقة المريضة للتخريب والفوضى، إنها ثقافة رابعة أو خامسة.. أوثامنة… وثامنهم كلب…. جديدة في هذه المدينة اليتيمة المنسية، كأننا في مدينة دارجة، لأن أهل الشأن المحلي تهمهم المناصب والجلوس على الكراسي، أكثر مما تهمهم هموم الساكنة ووضعية المدينة والحديقة، وإذا أسندت الأمور إلى غير أهلها فانتظر الساعة، والأعور هو العمدة في بلدة العميان، فهداديك، وحنانيك، وسبحان الله وحنانيه، وحذاريك، ورويدا، وهلم مهلا وتريثا وحذرا ورودا، في تسيير وتدبير الأمور.

سوف ترى إذا انجلى الغبار /// أفرس تحتك أم حمار؟

فكنت كفاقئ عينيه عمدا /// فأصبح لا يضيء له النهار.

خـــــــــاتـــمة:

منذ سبع سنوات خلت، وإخواني الكتاب يكتبون عن هذه الحديقة المهلمة التي خرجت عن المألوف والعادة وعن مواصفات الحديقة التي يجب أن تتسم بها، حرت في أمرها وفي تصنيفها، لأنها كل يوم وهي في شأن؛ مرحاض، مراغة، حظيرة، فندق، مقهى للقمار، مصدر إزعاج من المغرب إلى الفجر، /مطعم ملهى/ مكان للتجارة… محطة ليلية… مكان لتناول الشيشة الخطيرة الممزوجة بالسموم الفتاكة، الدخان يلوث البيئة والساكنة، يقتلون كل ما هو أخضر بالأقدام وأرجل الكراسي… الفساقيّ جافة قاحلة ماحلة، لا تؤدي دورها الجمالي والموسيقي من حيث خرير المياه.

نظرا لما ذكر من السلبيات القبيحة، والسلوكات المقيتة، والممارسات المشينة التي ينتج عنها الإزعاج للساكنة، والفوضى التي تؤدي إلى المشاجرة و”التشرميل” والقتل؛ كما حدث سابقا في عقر الحديقة… وغياب التنزه والاستراحة والترويح، والاستمتاع بالمناظر الطبيعية، والاستماع إلى أصوات الطيور، وخرير المياه، وحفيف الأشجار، وغيرها من الأصوات الطبيعية الجميلة، والمناظر الخلابة التي تعودنا على الإصغاء والتدبر والتأمل وحب الطبيعة… ولما كان لهذه الحديقة؛ مالها حاف ولا راف، ولا دور إيجابي في هذه المدينة لذا يجب أن تؤسس فيها: 1ــ مكتبة صغيرة للأطفال، 2ــ مكتبة عامة للكبار، 3ــ مؤسسات إدارية لتقريب الإدارة من المواطنين، 4ــ ملعب لكرة القدم، 5ــ سوق واسع، 6ــ مسرح في الهواء الطلق كما في مدينة تطوان، 7ــ مركب ثقافي رياضي، 8ــ معهد للفنون الجميلة، 9ــ مسرح… وغيرها من المؤسسات التي تقدم خدمات جليلة لساكنة المدينة وأطفالها وشبابها، لتؤدي دورها الاجتماعي والتربوي والرياضي والثقافي والفني والإداري، وكل ما فيه خير للساكنة والمدينة والوطن.

شارك المقال :