أصوات سيتي / بقلم: ذ. محمادي راسي

الصيف رمز للراحة والاستراحة والترويح، الوجهة نحو الطبيعة؛ الجبال والهضاب والشلالات والحدائق والمنتزهات والبحيرات والشروم  والغدران والينابيع والبحار والأنهار للاصطياف والاستجمام والتفكه والتنزه، كما هو رمز للانسلاخ من الرتيب والقيود؛ قيود العمل والدار وهو رمز للحوار والانفتاح على الطبيعة مباشرة في الهواء الطلق، والسفر مع جمالها الساحر وفضاءاتها الشاسعة التي تلهم الشعراء والكتاب والرسامين، تنمي المخيلة، وتوقظ الذاكرة،لإحياء التراث التاريخي والأركولوجي والأنطربولوجي، وقراءة  جيولوجية كروغرافية جيوغرافية، وأروغرافية، وجيومترية، ودراسة أنتروبومترية لأقوام مروا بهذا البلد، عاشوا وسادوا فحكموا ثم بادوا..

الصيف عند الفلاحين عيد فيه يجمعون الغلات، يحصدون المحاصيل الزراعية، يقيمون فيه حفلات كحفلات نهاية السنة الدراسية للتلاميذ الناجحين والمتفوقين، يقيمون ولائم من أطعمه تقدم في صحاف، ولابد من كأس شاي كعقبة كما جرت القرواء، هذه المناسبات رمز للأمل والتواصل والتضامن والتعارف والانفتاح والانشراح والاستراحة من العمل الشاق، ولأجل تجديد النشاط والاجتهاد استعدادا للموسم الفلاحي المقبل، وفي انتظار الجديد والعيش على الأمل مع رفع أكف الضراعة إلى الله العلي القدير راجين نزول أمطار الخير للعباد والبهائم والنبات ولإحياء البلد الميت.

الصيف فرصة للتنزه ليلا والنظر إلى النجوم التي لا يمكن إحصاؤها وحصرها، وإلى القمر الجميل بنوره الفتان يبدو وقورا رزينا ضاحكا / حزينا؛ كوجه الموناليزا، كأنه ينظر إليك كلما نظرت إليه، ويقف كلما وقفت، ويمشي معك كلما مشيت، وفرصة للإصغاء إلى أصوات الحيوانات والأمواج في ذلك الجو البارد الذي يكيفه النسيم العليل الذي يهب من البحر ومن الجبال.

الشاطئ صيفا يجنص بالمصطافين، يغلب عليه طابع التواصل والحوار مع الطبيعة مباشرة بالجسد الذي تلفحه الرمال الحارة من جراء رمض الشمس، وينعشه نسيم البحر، وتداعبه وتلامسه أمواج اليم أثناء السباحة. في هذا الفضاء يحاول المصطاف القيام ببعض حركات رياضية وأنشطة مختلفة، وأحيانا بعض المراهقين يسلغفهم الطغم الذي ليس فيه أمان، بسبب تهورهم ونزقهم وغرورهم وهم يريدون إثبات الذات والظهور أمام المصطافين، والبعض لا يحترمون الأسر بسبب طيشهم وجهلهم وقلة الأدب والحياء، يقومون بتمثيليات رديئة سخيفة لا يقوم بها حتى الحيوان..

الصيف ثقافة البحث عن الأمكنة للتمتع والاستمتاع، وعن كيفية تصريف الوقت الطويل خلال العطلة، ثقافة ارتداء اللباس الخفيف، والتجرد من اللباس الثقيل، كأن عبأ ثقيلا على ظهر المصطاف يريد أن يلقيه، وكأن هموما ومشاكل أثقلت كاهله يريد التحرر منها، يريد أن يكون مولودا جديدا، وعقله صفحة بيضاء كالطفل. ثقافة الأكل في المطاعم والجلوس في المقاهي، الذهاب إلى البحر حيث لوحة طبيعية متحركة بأرضية رملية وصخرية فيها مصطافون جالسون؛ ينظرون، يفكرون يلعبون، حركة البحر أمواجه بين المد والجزر، زوارق تمخر البحر، رياضة جيت سكي، رياضة التزحلق، كرة القدم والسلة، الكرة الطائرة  بواخر راسية تنتظر الدخول إلى الميناء، نسيم البحر المنعش، زرقة السماء، ترقرق الماء، طلوة الصبح، اعتدال الجو، الطلاوة والبهاء …. كأنك في مدينة أو قرية حولت إلى الشاطئ. ثقافة التجوال ليلا في شوارع المدن تحت الأضواء، البحث عن أكلات خفيفة، زيارة المعارض، مهرجانات شعبية، حلقات تتصف بألعاب بهلوانية وسرد الحكايات … البحث عن الفرجة والتسلية والمتعة.

مناخ الصيف في المناطق الساحلية ليس كالمناطق الداخلية، قد تجد أماكن باردة في البادية وأخرى حارة كأنك في فلاة مليئة بالعقارب والحراذين والأفاعي والسحالي، لساعتها ولدغاتها  ولسحاتها قد تؤدي إلى الموت في الحين …. صيف الفقراء ليس كصيف الأغنياء، لابد من الإكثار من المخيمات الصيفية ليستفيد تلاميذ أبناء الفقراء وكذلك الشباب وخصوصا القاطنين في المناطق الحارة والبعيدة عن البحر والأنهار والواحات والبحيرات، الجميع يخطط  ويبرمج ويخصص ميزانية لفصل الصيف منذ بداية الخريف، الكل يحب الطبيعة ويهرب من الإسمنت والعمارات الجامدة والسلوكات المشينة، حتى خلال شهر رمضان؛ البعض يتوجه إلى الشاطئ  للإفطار في الهواء الطلق وقت الغروب، وكيف لا والإنسان له ارتباط حميمي بالمكان وقد ولد في الطبيعة  ــ وإن قيل إنه يولد في الثقافة ـــ وخلق من تراب وسيرجع إلى التراب، والأرض هي أمنا جميعا، لذا علينا باحترامها ونحن نتجول على ضفاف الأنهار ومداغلها، والواحات والبحيرات والشواطئ، ونسير في الوهاد والنجاد والغدر والمروج والغدران والغيطان والجبال ذات الأدغال، وكل واحد والوجهة التي يتوجه إليها، “وللناس فيما يعشقون مذاهب”، شطر شهرته ذاعت وانتشرت واشتهرت إلى أن أصبح على كل لسان…،  في سفريات الصيف يتعرف الإنسان على أصدقاء جدد، وعائلات ربما قد تكون قريبة النسب تارة، ولكن البعد والهجر صنعا صنيعتهما وعملا على القطيعة وقطع العلاقات، كما أنه يكتسب ثقافة جديدة ويزداد معرفة من حيث الجغرافية والمعالم التاريخية والآثار القديمة.

الصيف أصياف والناس معادن وأصناف وأطياف، بلدان تعيش عيشة عادية بسيطة، تتكيف مع ظروف الطبيعة والفصول الأربعة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، بلدان تعيش في حروب؛القتل / الهدم / التشرد / التمزق / الجوع / المرض / الدمار / اليباب / الخراب / التباب…، لا تعرف الهدنة على مدار السنة بل سنوات..، فمتى ستتمتع بالاستقرار الذي هو رمز التقدم والحضارة والبناء، وستشعر بالهدوء والاطمئنان والراحة، وبالفرحة أثناء المواسم والمناسبات التي تخلق البهجة والفرجة.؟؟؟، ونرجو من الله أن يكون صيفنا صيفا جميلا وأيامنا أياما جميلة؛ كلها هناء وسعادة ورفاهية وازدهار وتقدم وسير نحو الأفضل.

وختاما في الأيام المقبلة سيزود الرصيف  المحاذي للبحر الأبيض المتوسط والبحيرة بالإنارة، وهذه مناسبة لتشجيع الساكنة على التنزه ليلا، بل حتى على ثقافة رياضة المشي، والاستمتاع بالمناظر الشاعرية التي ستربي فينا الإصغاء إلى سيمفونيات أمواج اليم الطبيعية، والتأمل في النجوم المتلألئة في السماء المرفوعة بدون أعمدة وبدون آجرّ وقرميد وإسمنت، وما أحوجنا إلى  تربية جمالية سمعية بصرية فنية أخلاقية، وكم هو جميل أن تجلس أسر ساكنة بني انصار مع أولادها بجوار الشاطئ، بالقرب من أضواء المصابيح الكهربائية لأول مرة في تاريخ هذه المدينة المنسية المهمشة اليتيمة، في جو جميل  أمام الأمواج المترادفة بغرانها كأنها في سباق كسباق الخيول، بعضها تفنى في الرمال، وبعضها تتراجع إلى الوراء، كأنها في لعبة الأراجيح بفعل المد والجزر يعلوها الزبد اللجيني، أو كاللبن الممخوض في الممخضة، وأديم اليم انعكست على وجهه أضواء مصابيح الميناء، ونور القمر الأغر يلوح في الأقصى والأفق، يشكل لوحة ضاحكة بحبابات رقراقة ترقص على وقع هدير البحر، والشاطئ في ليلة مقمرة بودعاته وصدفه وحلزونياته ورماله ويرامعه يزداد بياضا ولمعانا  واشتعالا كاشتعال الشيب، إنه منظر ساحر جذاب يسمو بك إلى عالم آخر، عالم الهدوء والإصغاء والتأمل والرومانسية والشاعرية، والتناغم والانسجام بينك وبين الطبيعة، وكأنك في رياضة اليوغا، أو في لحظة صوفية، أو في صلاة روحية صافية خاصة، أجل عالم  ينسيك عالم الضوضاء والفوضى والإزعاج والقلق والتهور والطيش… ولابد من توفير الأمن لأجل سلامة الساكنة والمواطنين.

الرصيف الجديد طويل ،والفضاء شاسع ،وأرض الله واسعة، ولك أن تجلس بجوار البحيرة الصغيرة الهادئة  ليلا، تخالها سماء بنجوم مصطنعة، تتجلى في أضواء مصابيح المدينة المنعكسة على وجهها ، إنها لوحة أخرى مزركشة صامتة أضواء أطلايون ، أضواء قرية أركمان وأضواء المهندس.  الأضواء البادية  من بعيد  تمحو عمران المدينة، تبدو كالنجوم على شكل الدجاجة والكلب الأكبر والأصغر والسلوقيين ورأس الحية وذنبها وغيرها من بروج السماء. وهذه البحيرة ما زالت تنبعث منها روائح كريهة تزكم الأنوف، وتشمئز منها النفوس، فمزيدا من تصفية ومعالجة مياه البحيرة من المياه المنعدمة والنفايات للمحافظة على البيئة أولا، ولتشجيع السياحة التي تنعش اقتصاد البلاد ثانيا، ولا بد من تشجيع الشباب على فتح أكشاك ومقاه ومطاعم في الفضاء المحاذي للشاطئين لأجل خلق فرص الشغل، وللقضاء على الفقر والتسول والبطالة والعطالة، فاليد العليا خير من اليد السفلى، و قيل  أيضا لو كان الفقر رجلا لقتلته.

 

شارك المقال :