أصوات سيتي | بقلم: ذ. محمادي راسي

شاءت الأقدار أن يرحل الفقيد إلى دار البقاء التي هي خير من هذه الدار؛ دار البوار والزوال والتباب والفناء في يوم 22 يونيو 2017م قبل العشاء بقليل عن عمر يناهز خمسا وسبعين سنة، وري جثمانه في ثرى مقبرة الرحمة “موراليس” في يوم 23 يونيو  يوم الجمعة المعظم الموافق ل 28 من شهر رمضان الأبرك 1438ه بعد مرض لم ينفع معه علاج، لله ما أعطى ولله ما أخذ، وكل شيء عنده إلى أجل مسمى، ولا مراد لقضاء الله وقدره، رحلت عنا بعد حياة مليئة؛ بالتجمل والتحمل والتجلد والصرامة لأجل تنشئة أجيال صالحين للمجتمع، من الستينيات إلى يوم التقاعد، قضيت زهرة شبابك بين الغربة والبعد بين الوهاد والنجاد؛ من عين قادوس بفاس إلى غفساي وجرسيف وزايو وبني انصار بمدرسة مولاي بغداد كأستاذ، ثم أخيرا؛ كمدير ببني شيكر “أطرارة” وفرخانة وبني انصار بمدرسة مولاي بغداد مدرستك الأولى، ومدرستنا جميعا، حيث كنت بها تلميذا فأستاذا ثم مديرا، مهنة حافلة بالاجتهاد والكلل والغربة والسفر إلى النواحي البعيدة عن الأهل، من أجل العيش الكريم، ولكنها شريفة وإن كانت مضنية ومتعبة لا يعرف جسامتها إلا من يمارسها، حياة مرت كسحابة صيف، أو كشريط قصير، تتأرجح بين الأفراح والمسرات، والأحزان والطموحات رغم العراقيل والمعضلات، وفي بني انصار مدراء وأساتذة قدماء، بعضهم طريح الفراش، يجب تكريمهم لما أسدوا من خدمات جلى، وأدوا رسالتهم النبيلة على أحسن وجه، وعلى أتم ما يرام، بتفان وإخلاص في ظروف صعبة وشاقة، وفي جهات مختلفة انعدمت فيها المواصلات والإنارة والماء الشروب، وكم من مدير في السلك الابتدائي تفقد مجموعة المدارس قاطعا الوادي  مترجلا، أو راكبا دابة، وأحيانا في وقت الفيضان يصعب التفقد وتبقى المجموعة منعزلة…اا.

إن جميع أصدقائك في مهنة التعليم ومعارفك وأهلك ساروا وراء نعشك في موكب مهيب، وقد وقفوا على قبرك وقت الحشر في خشوع وتضرع، رافعين أكف الضراعة إلى الله وهم يطلبون لك المغفرة التامة والرحمة الواسعة، كما أن جميع أفراد أسرتك كبيرا وصغيرا ذكورا وإناثا، قاموا بواجبهم أحسن قيام خلال أيام العزاء وبعدها في استقبال الضيوف والأقارب الذين يقدمون التعازي أحسن استقبال، لا يريدون بذلك جزاء ولا شكورا.

كنت الأخ الثاني بعد رحيل أخي، وقد عرفتك منذ الطفولة، وأنت تكبرني بسنوات قليلة، ولأنك ابن مدشري وجاري وابن عمي، وتجمعنا الملكية المشتركة للدار القديمة، وبحكم العمل كل واحد أخذ سبيله إلى أن وصلت سن التقاعد، فتجددت العلاقات بيننا من جديد، وجمعنا ملف التركة الجدية، علاوة على أننا أبناء العمومة، فكنا نجلس في بعض المقاهي صباحا للتشاور بين أخذ ورد وجدال وخلاف أحيانا، والخلاف فيه ائتلاف، ومع ذلك كنت تحترمني وأنا أصغر منك، وكنت أبادلك نفس الاحترام والتقدير مقدرا ظروفك، لمست فيك الحياء والإباءة والعفة، كما أننا كنا نتجاذب أطراف الحديث ـــ والحديث ذو شجون يجر إلى أحاديث ـــ  عن الهموم والظروف والذكريات بأحزانها ومسراتها، ومسار الملف المذكور أعلاه، ونختم الجلسة بقراءة الصحف، للاطلاع على قضايا الساعة، فحل الكلمات المتقاطعة للتسلية ونسيان الهموم ووضع الشأن المحلي المقلق والمشاكل اليومية، ثم التوجه إلى السوق للتبضع، وهكذا على الدوام إلى أن مرضت وبعد العملية الجراحية التي كانت صعبة ومعقدة، جعلتك طريح الفراش، وكان الأساتذة والمدراء وأصدقاؤك ومعارفك يسألون عن حالتك الصحية، ويريدون زيارتك التي لا تسمح بها ظروفك الصحية كالأستاذ؛أمبارك الحموتي وأحمد الوالي، ومحمد بوعزة، وعبد الواحد وعلي، وغيرهم من الأساتذة، ومن المدراء كعبد السلام البوزيدي وميمون البوزيدي ومصطفى البوزيدي وسعيد البوزيدي وأخيهم لحبيب البوزيدي، والطاهر الحموتي وعبد الله بنعبد الله، وحسن الحموشي ومن المعارف والأصدقاء السيد لحبيب محمودي، وصالح وعلي، وعبد القادر لحفى، وبلعيد موح أمعنان، ومصطفى بوروا وغيرهم ممن لا تحضرني أسماؤهم، وأشكرهم جميعا بدون استثناء عن تسآلهم واستفسارهم عن الحالة الصحية للفقيد كلما التقيت بهم في مختلف الأماكن، وكانوا يدعون له بالشفاء العاجل بحول الله وقوته، جزاهم الله خيرا ولهم أجر كبير على ذلك، كما كانوا يريدون القيام بزيارة إلى داره، ولكن لأسباب قاهرة حالت دون القيام بها.

بجل، إن أخا ثانيا رحل كما رحل الآخرون ذكورا وإناثا من أهلنا إلى دار البقاء، ولم يأخذوا نصيبهم ولم ينصفوا بعد في هذه الدنيا الفانية، بسبب المتسلطين المسيطرين على أراضي الخواص والشياع، ومازالوا في غيهم يتبجحون بأموال الغير، وبعض من هؤلاء رحلوا وتركوا كل شيء وراءهم ولم يأخذوا شيئا معهم ولو مترا أو درهما واحدا، كانت عوائلنا كباقي العوائل؛ تشكل أسرة واحدة متعاضدة متماسكة متكانفة في الأحزان والأفراح، في الشدة والرخاء، في السراء والضراء، حينما كان الأجداد والآباء أحياء، يقدرون قيمة الأخوة لاعتبارات شتى؛ أخوية / إنسانية / تضامنية / اقتصادية / اجتماعية من حيث المصاهرة والقرابة، ولكن غياب الإنصاف في تقسيم الإرث يولد الجفاء والقطيعة، وحضور الظلم يقود إلى الخصام وبالتالي يجر إلى المرافعات في المحاكم بسبب الأنانية  العمياء، وغريزة حب التملك والسيطرة.

بهذه المناسبة الأليمة والمصاب الجلل، وبقلب يعتصره الألم مؤمن بقضاء الله وقدره، وبعينين تغرورقان دمعا من شدة الحزن، أرفع أحر التعازي إلى زوجة الفقيد، وأولاده طارق ومراد ونادية مديرة مدرسة كم بحي بوقانا، وأوصيهم طرا؛ خيرا وبرا وإحسانا بوالدتهم التي كانت المساعد الأيمن للمرحوم في مسار حياته العملية والعائلية، والساهرة على تربية أولادها تربية حسنة بالرعاية والاهتمام رغم الظروف الصعبة، كما أرفع أيضا تعازي الحارة النابعة من قلب مكلوم إلى أختيه وأخيه محمد بوهارو وأولاده، وإلى أبناء المرحوم أخيه أمحمد، وأبناء أخيه المرحوم أحمد، وأبناء أخته المرحومة التي رحلت في السنة الماضية، وإلى باقي أفراد العائلة والأصهار ذكورا وإناثا كبيرا وصغيرا، وأطلب من الله أن يتغمد روح الفقيد برحماته الواسعة، ويسكنه فسيح جنانه، ويرحم جميع الموتى ويشفي جميع المرضى في مشارق الأرض ومغاربها. “من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا”، “يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي، وادخلي جنتي”. صدق الله العظيم.

شارك المقال :