أصــــوات سيتي / بقلم ذ.محمادي راسي

التاريخ: الاثنين ثالث يوليوز 2017م
الزمان: صباحا الساعة الحادية عشرة والنصف
المكان: مدرسة البكري
الموضوع: حفل تكريم

إيفاء العهد واجب وضروري، إلا ما كان بعذر أو طارئ غير منتظر، وهو محمدة ومن صفات المروءة أو المروّة والأخلاق الكريمة والنخوة والشهامة، وقد قيل ويقال: من عاهد وفى / وعد الكريم دين / وعد بلا وفاء عداوة بلا سبب /، وخلف الوعد من سمة النفاق والرياء والكذب، والحر ينجز ما وعد، والثرع وصم وصفة ذميمة معيبة كالجشع والطمع.. هذا الحضور هو إيفاء والتزام وتطبيق للدعوة الموجهة إلي وإلى الأستاذ الطاهر الحموتي ــ سابقا ــ حينما حضرنا في الحفل السابق بمناسبة الأسبوع الأول الثقافي الذي نظم في شهر رمضان المعظم الأبرك بمدرسة البكري، بغض النظر عن المكالمة الهاتفية التي تلقيتها وزميلي الأستاذ الطاهر الحموتي هذا اليوم؛ تدعو إلى الحضور في الحفل التكريمي الذي أقيم للأستاذين المتواضعين عبد الوهاب السعادة ومحمد زروال.

جير، حضرنا في الحفل، وكيف لا،؟ ونحن طرا جمع وكتع وبصع وبتع ننتمي إلى أسرة التعليم، يجب الرفع من قيمتها وشأنها بالتشجيع والمعاضدة والمكانفة ولو معنويا… كلنا ــ نحن المتقاعدين ــ أفنينا زهرة شبابنا في تنشئة العقول، وما زال المزاولون والممارسون بعدنا هذه المهنة الشريفة الصعبة الشاقة، يضحون بالغالي والنفيس وبتفان وجدية وإخلاص، لأجل تكوين فرد أو مواطن صالح نافع واع منتج غير مستهلك، يسبر أغوار المجتمع بسلاح التحليل والنقد والروية والمحاكمة، متشبع بروح النزاهة والعفة والإخلاص والاستقامة، مع هجر ما فيه كماخ وتفجس وإفجاس وفشوش.. تلكم إرهاصات وأهداف التربية الحديثة… إنهم يحترقون كالشمعة التي تنير ليلا في مكان عمى، وتدحر الظلام المعادل للجهل والعمى والعمه والغي والضلال.

كانت الحجرة مزينة برسومات وحكم ومآثر وأشعار وأثور تأسرك بالأثف والتأثف، كأنك أمام لوحة تشكيلية مشكلة مزركشة كطنفسة، أو كريضة في فصل الربيع الطلق، تسحرك وتأخذ بلبك، وأنت في لبب رخي، وفي لحظة شاعرية تسمو بروحك إلى الترفع والتعفف والتروي، حبذا لو كانت شوارع مدينتنا مزينة برسومات جدارية تربوية هادفة، كما في أصيلة وتطوان وآسفي وغيرها من مدن الفن، للتربية الجمالية وكسب ثقافة احترام الحدائق والشوارع، فالاحترام والقول الجميل لا يكلفان كلفة مكلفة باهظة، لأن كثيرا من المتهورين لا يحترمون أي شيء في غياب ثقافة الأخلاق والإيثار والحق والجمال والخير، تتحكم فيهم السموم المذعفة الفتاكة للجسوم والمذهبة بالعقول، تجعلهم يعيشون في الخيلاء والتيه والهذيان والغوج والعوج، وتقودهم إلى الشر والزخ، وارتكاب الجرائم والسرقة و”التشرميل” والقتل، ثم تضفي بهم إلى المستشفيات وتزج بهم إلى السجون.

بجل، لقد تأثرت كثيرا لما لمسته في أساتذة المدرسة ــ ذكورا وإناثا ــ من تواضع واحترام وتقدير للضيوف، وكانوا في لحظة تتأرجح بين الفرح والأسى، لأن حفل التكريم هو رمز لمغادرة المدرسة وفراق للأصدقاء، وانتهاء من العمل، وانتقال إلى الراحة والتأمل واسترجاع الذكريات بحلوها ومرها، قد يتوج باللقاء مستقبلا أو لا يتوج، بدافع الانتقال إلى البلد الأصل أو لأسباب أخرى، ورأيت بين لحظة وأخرى عيون الحاضرين تغرورق دمعا من شدة التأثر والحزن، حينما كان يلقي بعض الأصدقاء كلمات رقيقة مؤثرة فيها إطراء وطراوة وطلاوة في حق المحتفى بهما، إن الربح الأكبر والغنيان الأفضل، والغضارة الطيبة، هو ذلك الاحترام الذي يكتسبه الأستاذ من تلامذته الأبرار مستقبلا بعد تقاعده، لأن التلاميذ في مرحلة كبرهم يصبحون أكثر وعيا ورزانة من مرحلة الدراسة؛ مرحلة المراهقة والنزق والنزوة والطيش والنقد.

كان الحفل بهيجا بسيطا متواضعا، وخير الأمور الوسط وحب التناهي شطط، ولكنه كان ذا أهداف إنسانية شريفة، وروابط اجتماعية متينة، وغايات تربوية نبيلة، فيه تواصل ومحبة وتضامن واحتفاء بالمتقاعدين، وهو عربون على الصداقة المتينة والواشجة القوية، وتقديم الهدايا هو رمز لاستمرار الصداقة، وتبقى تلكم الهدايا كذكريات لتذكر الأصدقاء ولحظة التكريم عبر مرور السنين، ذكريات لا ترجع تلك اللحظات المليئة بالمسرات والأحزان، كالطيور القواطع التي لا ترجع…. مهما بعثناها بواسطة المخيلة، أو أحييناها بالصور أو بالفيديوهات، فهي تقليد ومحاكاة، وصور جامدة ومتحركة فقط.

الحفل افتتحه إدريس مطالع مدير المدرسة بقراءة الفاتحة، ترحما على روح الفقيد الأستاذ عبد الفتاح غزيزل الذي وافته المنية في يوم الجمعة المنصرم رحمه الله برحماته الواسعة، ثم تلا الأستاذ محمد سالمي كلمة قيمة أشاد فيها بالمحتفى بهما، وقد أجاد وأفاد، وأفاض واستفاض، مستشهدا بحديث الرسول “إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النمل في جحرها وحتى الحوت في جوف البحر ليصلون على معلم الناس الخير”، وأشار إلى الشروط التي يجب أن يرتقي بها المعلم إلى مصاف الأنبياء وهي ضمير حي، وقلب محب، وإخلاص في العمل، وبعد ذلك تناول الأستاذ الطاهر الحموتي ــ المدير السابق لثانوية عثمان بن عفان ببني انصار ــ كلمة نوه فيها بجهود جميع السادة الأساتذة عامة، وبالمحتفى بهما خاصة في تنشئة وتربية الأجيال، مشيرا إلى دور التكريم في حياة رجل التعليم الذي يرفع من معنوياته، والتحسيس بما يقوم به من عمل شاق مدى حياته العملية وهو داخل القسم، ثم كلمة السيد المدير عبد الإله نصيص، أشاد أيضا بالدور الهام الذي يقوم به الأساتذة وهم داخل المؤسسة، بحكم احتكاكه بهم وتواصله معهم أثناء العمل، كما ترحم على روح الفقيد عبد الفتاح غزيزل، ثم كلمة الأستاذة سعيدة أزويات أستاذة بمدرسة البكري، تجنبت فيها تكرار ما قاله السابقون كما صرحت بذلك، فشكرت الأستاذين من حيث السلوك المتواضع والمعاملة الحسنة داخل المؤسسة، وقبل ختم الحفل وزعت الجوائز على المحالين على التقاعد، وشكر مدير المؤسسة جميع الحاضرين والضيوف على حضورهم في هذا الحفل المتواضع داعيا إلى تناول الشاي والحلويات، وكان مسك الختام ما قام به المدير عبد الإله نصيص، من حيث ترديد دعوات الخير، وقراءة الفاتحة مع رفع أكف الضراعة إلى الله العلي القدير من طرف الحاضرين راجين كل ما فيه خير ومصلحة للجميع، ثم بعد ذلك شكر كل من الأستاذ عبد الوهاب السعادة ومحمد زروال جميع الحاضرين والقائمين على تنظيم هذا الحفل الرمزي الإنساني في جو رهيب مؤثر، وعيون الأساتذة والأستاذات تنهمر منها دموع حارة لا تريد الفراق بعد صداقة قديمة.

ويطيب لي أن أدرج أسماء الطاقم الإداري وأساتذة مدرسة البكري والضيوف الحاضرين في هذا التكريم لتبقى هذه المقالة المتواضعة كوثيقة تذكارية في أرشيف المؤسسة، وما أحوجنا إلى التوثيق…!!!،

الطاقم الإداري؛ مدير المؤسسة؛ إدريس المطالع، بكاري موساوي؛ حارس أمني.

الأساتذة؛ أمينة الفاطمي / كريمة بوقنطار / فرح بن المهدي / محمد زروال المحتفى به / وردة قوبع / نبيلة فحفوحي / عبد الوهاب السعادة المحتفى به / كريمة بكيوي / سعيدة أزويات / تشفة أزلاف / نصير أمزيان / السعدية عدناني ستحال على التقاعد النسبي بحول الله في الدخول المدرسي المقبل / لطيفة أفرحسان /.

الضيوف؛ المدير سابقا الطاهر الحموتي / الأستاذ محمد سالمي / المدير عبد الإله نصيص / المدير سابقا حسن الحموشي. والتلميذ سعيد علالي الذي حضر إلى جانب الضيوف، وقدم لحبيب محمودي عذرا معتذرا فيه عن عدم الحضور بسبب العمل داخل مكتبه.

بمناسبة هذا الحفل التكريمي أرفع تحياتي الحارة إلى جميع السادة الأساتذة العاملين بهذه المدرسة وغيرها من المدارس والثانويات؛ الإعدادية والتأهيلية والذين يعملون على تثقيف الأجيال وتهذيبها وتربيتها وتوجيهها إلى ما فيه خير ومنفعة ومصلحة، وخصوصا في زمن كثرت فيه الموضات الزائفة، والبدع الواهية، والتيارات الهدامة، والسموم بأنواعها وأشكالها الخطيرة كلها تعمل على قتل طموحات الشباب، تجعله يحلم في عالم الخيال وهو جالس أو واقف أو سائر، وقد تجعله عنيفا شرسا، ومجرما سفاحا بدون أن يشعر ويعي ويحس بما يقدم عليه من أعمال شريرة دنيئة، ونطلب من الله أن يحفظ شبابنا من كل شر ومكروه، ونتمنى النجاح لجميع تلامذتنا في حياتهم الدراسية والعملية مع التمتع بالصحة الجيدة التي هي نعمة وأفضل من كل شيء في هذه الحياة، كما أقدم تشكراتي إلى جميع القراء والأصدقاء الأعزاء الكرماء.

باسم طاقم جريدة أصوات سيتي أرفع أحر التعازي إلى جميع أفراد أسرة الأستاذ الراحل عبد الفتاح غزيزل في الأسبوع المنصرم، ونطلب من الله أن يلهمهم جميعا الصبر والسلوان، “كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام” صدق الله العظيم، وكما نرجو من الله العلي القدير أن يرحم جميع الموتى، ويشفي جميع المرضى في مشارق الأرض ومغاربها.


شارك المقال :