أصوات سيتي / بقلم ذ .محمادي راسي

 

“”سادتي إن في الوجود نفوسا /// ظلمتها الأقدار ظلما شديدا

هي تشقى من غير ذنب جنته /// ولكم مذنب يعيش سعيدا

سادتي إننا صبرنا امتثالا /// ما ضجرنا ولا شكونا الجدودا

فانظروا نظرة الكرام إلينا /// وارحموا أدمعا تخد الخدودا”””

 

خير مفتاح هذا المقال؛ قوله تعالى في سورة النساء “إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا “صدق الله العظيم.

وروى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله “صلعم”: “اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن يسفكوا دماءهم واستحلوا محارم الله“… “وقال صلوات الله عليه: “إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به“، وقال أيضا: “شر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه“. وقال طرفة بن العبد وهو صغير ويتيم حينما أبى أعمامه أن يقسموا ماله، وما كان منهم من ظلم أمه وردة:

ما تنظرون بحق وردة فيكم /// صغر البنون ورهط وردة غيّب

قد يبعث الأمر العظيم صغير /// حتى تظل له الدماء تصبّب

وقال في معلقته:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة // على المرء من وقع الحسام المهند.

والشريف القوي في العصر الجاهلي هو الذي يظلم ويبدأ بالظلم:

بغاة ظالمين وما ظلمنا /// ولكننا سنبدأ ظالمينا.

كما قلت سابقا في مقالات أخرى إن الألم يدفعنا إلى الكتابة والبوح، والشعور بالظلم والضيم أكثر …الكتابة تطهير من شر الظالمين والفاسدين والفاسقين والجاهلين.. علاوة على التعبير عما يراه الكاتب وما يشعر به، وما يجيش في صدره، وما يختلج في حيزومه من فرح وحزن وحب وكره وحنين  واشتياق وسخط ورضى…

منذ إحدى وأربعين سنة وشهرين وعشرة أيام ،وأنا في سلك الوظيفة العمومية بين التدريب عن التدريس والتعليم، تتلمذ على أيدينا ـــ كما تعلمنا أيضاــ أعداد عديدة وأفواج كثيرة من التلاميذ، والبعض منهم يزاولون  مهامهم في مختلف الاختصاصات، والمناصب العليا والمتوسطة والمتواضعة. وقد ربحنا معنويا ذلك الاحترام والتقدير كلما التقينا بهم، وإننا نفرح نحن معشر الأساتذة كثيرا حينما نراهم في وضعية حسنة وهم يشتغلون، بل نفتخر بهم لأن هذا ثمرة من رعايتنا على تنشئتهم وتربيتهم، وكل واحد منا تلقى رسالة شكر على أننا أفنينا زهرة شبابنا في التربية وخدمة الوطن…. ولعل أمير الشعراء هو الذي أعطى المرتبة الكبرى للمعلم، وهو الذي عرف قيمته أكثر منا:

قم للمعلم وفه التبجيلا // كاد المعلم أن يكون رسولا

وعن مأثورة متداولة عند الخاصة والعامة: من علمني حرفا صرت له عبدا وفي رواية صرت له وفيا.

وقول الشيخ محمد عبد المطلب في المعلم:

بني مصر ما بال المعلم كاسفا؟ // يرى الناس فيها يكبرون ويصغر.

سبيل النبيئين الكرام سبيله // يعم به الدنيا صباحا فتقمر.

فيا ويحه كم يشتكي في حياته // وكم يتلقى من بلاء فيصبر.

نعم قاسينا وعانينا كثيرا، بين الانتقال من بلدة إلى أخرى، كالغرباء في بداية العمل، مع قلة الإمكانات المادية، وصعوبة المواصلات، والإرهاق النفسي والجسدي، والاستفزازات من بعض المتكبرين ذوي العقول الفارغة، والقلوب الجافة الغليظة، ومن محبي السلطة والشطط، وقد وقفنا في وجوههم لأنهم يظنون أننا حصلنا على الوظيفة عن طريق الوساطة، كما فعلوا…. لا يفرقون بين الضمة والضمة الصغيرة، ولا حروف العلة الطويلة والقصيرة…… ومما يندى له الجبين، ومن عجب العجاب أن يدون أحدهم من المتجبرين الفارغة عقولهم، في سبورة الإعلانات ويستأنف فلان عمله يوم ثلاثين فبراير…..؟؟.

ونحن في شغل شاغل ،انشغلنا بالتدريس وتحضير الدروس، وطريقة إلقائها من جهة، ثم بمقاومة العقول المتحجرة المعقدة، في تسيير الإدارة التربوية، وجهلها المركب والمربع والمثلث والمكعب… وهلم جهلا مرفوعا إلى أس، س، وفي تحليل النصوص الأدبية، كنا نبحث عن ظروف النص وصاحبه، وتاريخ ولادته وعصره الأدبي ومسقط رأسه، وذات يوم في أوائل الثمانينيات جاء ابن أخي ــ وهو اليوم طبيب ـــ  يسألني عن حياة  أديب، ورد نصه واسمه في مادة المطالعة. بدون ترجمة حياته من حيث مسقط رأسه وأعماله، وهو سليمان العيسى، مكثت أبحث في ما هو متواجد عندي من الكتب المتواضعة إلى حوالي الثالثة ونيف صباحا  فلم أجد شيئا، واهتديت أخيرا إلى مجلة المزمار وهي مجلة للصغار، فوجدت حياته وحتى صورته وهو شاعر سوري، وكان ثمن المجلة آنذاك خمسة وعشرين فرنكا……  … ولما بحثت عن مسقط رأسي ومنزلي، وما تركه أبي فلم أجد شيئا، لأن ابن العم هو الذي ورث أبي ….. واستحوذ على كل شيء بطرق يعرفها هو وغيره، وخبيره الذي امتلأت جيوبه وجرابه بالسحت والذي كان متعجرفا لا يستمع إلى المظلومين … وسماسره ووو…. وكان من نتائج المرافعات أن حكمت المحكمة علي:  بشهر حبسا موقوف التنفيذ لأنني بحثت عن حقي …. ومن غرائب الأمور أنهم يحكمون ثم ينتقلون … وفي هذا الحكم شرف لي، لأنني أبحث عن حقي ومسقط رأسي، فهل ولدت في السماء أم في البحر؟ أما الذي فيه عيب وعار، هو أن أدخل السجن وأنا سارق، أو مرتكب للمفاسد، أو أتاجر في المخدرات والمحرمات، أو ارتكبت جريمة، …… وفي خبرة أخرى لكافة الورثة تتعلق بالتركة الجدية، اكتشف الخبير الجديد النزيه تناقضات في المراجع الخاصة بالملكيات والأشرية … التي طالها التزوير… والتزوير في تغيير الحدود … بسبب الجشع وغريزة حب التملك …ولكن، حينما سيكون الإنسان في القبر لا يعرف من يحده شرقا ولا غربا ولا شمالا ولا جنوبا ….  إن ابن العم يعرف أن ما أطلبه حقي، ويعرف أن الدار داري …. وكان يلعب فيها حينما كان صغيرا، ويأكل من عنب الكرمة، ويستقي بالدلو من ماء البئر هو ووالداه وإخوته والجيران … حتى  الكلب الوفي الأمين “دالي”، والحمل النشيط “أفريكانو “، والشاة الهادئة “ثغرا”، والدجاج  الذي كان يأوي إلى الخم بكل سهولة، وما زلت أتذكر تلك الدجاجات المرتجة بطونها بيضا، والقطط النظيفة التي تنقي ما يدور بالدار من فئران وحشرات، والحجر والحصان القويان اللذان قدما خدمات جلى في “بوعرك” وقد استغلهما العم في الحرث والمواصلات والنقل، هذه البهائم وغيرها كلها تعرف أن الدار داري …. وقد أكلت وعلفت وشربت ونامت في باحة الدار برعاية فائقة، وتربية حسنة، ينقصها فقط الكلام، بإشراف والدتي رحمها الله برحماته الواسعة التي كانت تعرف أحوال وشعور وما تحس به تلك البهائم.

أقول له ما قاله شوقي لفرنسا: دم الثوار تعرفه فرنسا وتعرف أنه نور وحق ،ومن غرائب التزوير أن زور بمساعدة أخيه والمساعدين الطماعين الجاهلين المتطفلين المحبين للبرطلة والغنيمة الباردة وصرف أموال الناس، ـــ ليست من أموالهم ـــ  في الحانات والمواخير والمطاعم الفاخرة، أراهم اليوم يعيشون في حالة سيئة مزرية وفي ذل وضنك وضيق وفقر مدقع، بل يسعون ويتسولون … نعم في 1990م  زوروا الإمضاء للمرحوم أبي الذي توفي في 1985م فهل نهض أبي من القبر ليصحح الإمضاء ليرجع ثانية إلى قبره بعد خمس سنوات..؟؟؟؟، ورغم التزوير وكل  العراقيل  والمشاكل وضياع المال، رحل إلى دار البقاء وترك كل شيء وراء ظهره … لم ينفعه التزوير ولا المال ولا الحدود ….. نطلب من الله أن يرحمه ويغفر له فيما أقدم عليه بدافع الطمع الذي يفضي إلى التسول والذل وو….

جير، قضيت ثمانية وثلاثين عاما في خدمة الوطن وتكوين الأجيال، ظفرت برسالة شكر، وختمت بحفل تكريم، وكسبت الاحترام والتقدير من طرف تلامذتي وأصدقائي، ولا ريب كما قيل: كلما فتحت مدرسة أغلقت سجنا، وكما يقال بالدارجة [كملنا السربيس بخير] ولكن لما جهرت بحقي وطالبت به وهذا واجب، كان مآلي السجن…. فكم من منجب في العلم لما تلقى الحياة لم ينجب…ااا.

وختاما إن الحق أبلج والباطل لجلج، والساكت عن الحق شيطان أخرس، وإن الله يمهل ولا يهمل. وإلى يوم الحساب…..ااا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، وفي  العام  المنصرم حكمت المحكمة لصالح الورثة أي لصالحنا ببيع الدار في  المزاد العلني، فلماذا السجن ….. فمن كان على حق، ومن كان على باطل ……؟؟؟؟؟؟ااااااا. أما مرافعات بوعرك فقد استغرقت سبعا وثلاثين سنة، رغم وجود الملكية، نظرا للمشاكل التي يخلقونها للاستفادة، وقد استغلوا ستة هكتارات وربع منذ 1954 م إلى 2007م، لقد مات أبي وأمي وأخي وأختي أخيرا، ولم تطأ أقدامهم تلك الأرض الطيبة. ولم يستفد  أبي ولو بسنبلة شعير أو قمح منذ التاريخ أعلاه، عاش فقيرا، عفيفا ورعا تقيا، لم يطمع قط في درهم أو شبر أرض أو ملك غير .. كان وليا من أولياء الله، عرف “بأفقير علال”  وبالراسي لهدوئه ورزانته، ومن كثرة طيبوبته بشهادة الناس، طمع أهله وغيرهم  في كل ما كان يملك: الدار، الأرض، ثلاث رخص للحافلات، والحافلة التي لم ينجح الشريك الطامع فيها في حياته، ولم يكتب الله للحافلة أن تسير كباقي الحافلات … حرم من عمله وتقاعده بسبب أخيه الذي  طمع حتى في نصيب الشاحنة، وكان رحمه الله من أمهر السائقين منذ1921م خبيرا عارفا بما يقع من أعطاب في محرك السيارة وملما بخباياه، لكونه اشتغل في ثكنة المهندسين بمليلة، و كان مرجعا لبعض السائقين، ومساعدا لكل من وقع له عطب في الطريق، ومعالجا لبعض المرضى مقابل ملح أو عشرة فرنكات يتصدق بها على الفقراء، كما مارس رياضة سباق الدراجات في الثلاثينيات، رحمه الله برحماته الواسعة. إن في الوجود رجالا عظماء بكرمهم وإنسانيتهم وأخلاقهم؛ عاشوا بسطاء نزهاء أعفاء، وماتوا بسطاء أعزاء شرفاء، إن الذي يعيش سعيدا هو ذلك الإنسان الذي لا يظلم ولا يطغى ولا يستولي على أملاك الغير بسبب الطمع والجشع، وغريزة حب التملك والسيطرة.

فلماذا الظلم والطمع والجشع والتطاول على أملاك الفقراء والضعفاء واليتامى والأيامى ؟؟؟، أين الإقطاعيون المتجبرون ؟ أين الإمبراطوريون  المستبدون ؟  أين السابقون … وأين …؟ دول وشعوب وحضارات سادت ثم بادت …. الكل سيرحل إلى دار البقاء الغني والفقير، القوي والضعيف، العالم والجاهل، الظالم والمظلوم … الموت حكمة وموعظة ودرس لكل طاغ إقطاعيّ متعنت مستبد …. نعم للعدل والحق ،لا للظلم والباطل …. “كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام “صدق الله العظيم.

سكت عن هذا الظلم أكثر من أربعين سنة، ولكن جراحاته كانت عميقة  غير مندملة… وما خفي أعظم ….جرتني إلى البوح والكتابة لأجل التطهير من شر و سلوكات بعض المستبدين الإقطاعيين المتمادين الذين يفتخرون بأموال الناس، يقودهم الطمع والجشع، ويوهمون الناس بأنهم أغنياء، وأهل النسب والحسب، بل هم أغبياء أشقياء، وحالة بعضهم شاهدة على ما أقول إنهم يحنون إلى زمن الترف والبذخ واللهو ــ واليوم يبحثون عن درهم ولا يجدونه؛ لأن صنعتهم وحرفتهم ووظيفتهم التزوير ــ ظانين أن الأنهار دائمة الجريان، وأن الملكيات قابلة دائما للتزوير كما كان في سنوات الغفلة والاستعمار… ولكن الزمن ليس فيه أمان، والظلم مرتعه وخيم.

شارك المقال :