أصـــوات سيتي / بقلم ذ.محمادي راسي

شددت وحزقت لوازم الرحلة من زاد وقوت وماء وأدوات وخباء، وبعد فحص وجيز لحالة السيارة من ماء وزيت ونسبة الهواء في العجلات، ووضعية الفرامل والأضواء وعلامات العطب والوقود وغيرها، والتأكد من أوراق السيارة كالورقة الرمادية والتأمين ورخصة السياقة وورقة الفحص التقني… ليست كالرحلة فوق الدابة قديما، يكفي علف الدابة التبن والماء وشحن الزاد في الوكاف أو البرذعة أو بدون الذال المعجمة، ثم الانطلاق مباشرة غير مقيد بورقة وأوراق وبلا وجل، أو انتباه لعلامات التشوير وإشارات المرور ولمن حق الأسبقية، وقراءة لبعض لوحات المرور الجديدة قد يصعب على السائق القديم فهمها، حينما تكون سائقا أمام المقود تكون مقيدا تفقد حريتك، ودائما تعيش في خوف، وتشعر بالقلق لأن هناك البعض لا يحترم قوانين السير، بسبب التهور وتأثير المخدرات والسكر.

كانت الوجهة نحو قرية أركمان وهو الطريق الوحيد للوصول إلى أرمهندز أو عبر قارب من الناظور أومن بني انصار، أو عبر قطع الترعة الجديدة “إغزار” بالريفية أو “بوقانا” بالإسبانية  التي تفصل بين ثيزرث وأرمهندز، الترعة حاجز فقط لأن بعض الأسر تجمعها المصاهرة والقرابة والنسب من إعمرانن بفرخانة وإشرقيين وإعوططين والعثمانيين والسودانيين، وأيضا أسر من أهل القرية وغيرها من الأسر المتواضعة المحافظة، التربة رملية فيها صدف وحلزونيات، وبعض الأماكن يغلب عليها التراب. في بوعرك لم تعد الحقول حقولا للشعير والقمح كما كانت قديما وإنما فيها أشجار من زيتون وخوخ وعنب وتين وخضر وفول وجلبان وقنبيط وشمام وبطيخ أحمر وقشطة، وبعض الحقول حولت إلى مقاه ومطاعم، تحول بوعارك من استثمار فلاحي إلى استثمار سياحي وفق ثقافة المواطن الذي يهرب من مدينة الإسمنت والفوضى إلى الطبيعة حيث المناظر الجميلة والهدوء، ومن الضوضاء والغوغاء ومن الأزبال والسلوكات الخسيسة الناتجة عن الجهل والهمجية والتهور، وغياب ثقافة التمدن والتحضر.

حرت في تسمية أرمهندز ، فعند الصيادين بمعنى المكان البعيد في البحر،أي في أعماق البحار، أثناء  حديثهم عن البحر ومغامراتهم الصعبة وهم يصارعون الأمواج  العاتية ، أو “أرمهموت ”  ، وهمت في اللغة العربية توارى / والمهمه والمهمهة المفازة البعيدة /البلد المقفر .والهنداز ؛الحد والقياس/ الهندازة ؛اسم للذراع التي تذرع به الثياب ونحوها ./ المهندز ؛ المقدر مجاري القنيّ والأبنية ونحوها (كالمهندس)بالسين والمادة كلها فارسية الأصل/ هندس هندسة مجاري القنيّ..؛قدرها ورسم أشكالها / الهندسة (مصدر)؛الحد والقياس وأصله أندازه بالفارسية ،وفي قاموس  إسباني عربي ؛geometra  مساح مهندس / geometria هندسة /ingenieria هندسة / ingeniero  مهندس ،لقد تهت مع تسمية أرمهندزوتركت الحديث عن الرحلة ، سأترك أصل التسمية لأهل أرمهندز ، فأهل مكة أدرى بشعابها .

وأنت في طريقك إلى أرمهندز طريق غير معبد وعر فيه رمال وأحجار وتراب ، تربة سجسجية وهواء سجسج تكيفه مياه البحر الأبيض والبحيرة ، على يسارك البحيرة الصغيرة  الهادئة بأديمها البلوري الأزرق الرقراق ضحاء والقرمزي  أصيلا ، برك  وغمور وغدران تحوم حولها الطيور كالنحام والإوز والبط واللوّاء والنوارس والدوريّ…تحتاج إلى أورنيتولوجي ليعرف طريقة كسب معيشتها وأوقات هجرتها إلى أماكن ودول أخرى ،صيفا وشتاء ،   تبدو القوارب راسية بعد أن قامت بجولات صيدية  وتفقدية للشباك ،شمس  الصيف تضعف ألوانها وتؤثر في جلفظها يكون مدعاة لتسرب الماء إلى جوفها ، شباك منضدة فوق أعمدة مغروسة  في مياه البحيرة كي لا تصل إليها  الفئران ، هي من حكمة الصيادين العارفين بأمور البحروحوته والبر وحيوانه ،هي تجارب وخبرات تكتسب بالحنكة والدربة والدراية وبالمخبرة لا بالمنظرة والعجيلى ، كأنهم يرقمون على الماء ،هي كتب لم تؤلف ، وروايات  لم تكتب  بعد .

على يمينك منازل حديثة مبنية بالآجر والطوب والإسمنت، وأخرى قديمة مبنية  بالطين والخشب ، مداشر يخيم عليها السكون والهدوء والتواضع ساكنتها محافظة، مساجد للصلاة ، أماكن رجرجة رطبة ردغة  ،أشجار الصفصاف والأثيل والرتم ، حقول مسيجة ومحددة فيها مزروعات ومغروسات ، وحظائرللدواب ، وزرائب للمواشي ،وخممة للدجاج ، وتماريد للحمام ، وأفران  تقليدية  من طين للخبزذي نكهة لذيذة شهية أفضل من رائحة “البسطيلا ” المفضلة عند الجميع يتحلب اللسان وتجحظ العين عند ذكرها، ورائحة الأربيان المشوي ، وأكواخ بجوار المنازل لحفظ المعدات والأدوات الخاصة بالصيد وغيرها من اللوازم يرجع إليها الساكن بين آونة وأخرى وعند الحاجة .

وأنت سائر في الطريق إلى أن تصل إلى تلك الهضبة حيث fortin   أي الحصن الصغير وهو تصغير ل fuerte في اللغة الإسبانية ، ولكن بعضه  مهدم عبارة عن رسم يدل على تواجد الاستعمارالغاشم الفاشل في جميع محاولاته للاستيلاء على ريستنغا =ثيزرث ورأس الماء و”كبدانة “و”تمكارت ” فقد لقي مقاومة عنيفة في 18/20/23/يوليوز 1909م ،وفي نفس السنة توغلت قوة أخرى في الناظور وسلوان و”كوركو”و “ويكسان” ولكن هذه المحاولات كلها باءت بالفشل والخيبة والخزي.

أرمهندز ذلك الشريط الرملي عبارة عن لسان أو خيط إبرة ، وهو امتداد لثيزرث التي بدايتها من ميناء بني انصار وسيدي يحي قديما ، وقد عرفت ثيزرث قديما عدة ترع  ك “إغزار أقذيم” و”إغزار أوريري” ، وبوقانا قديما انسدت طبيعيا ، نتيجة عجاريف جغرافية ـــ كجروح تأرك بين آونة وأخرى  ــ حدثت وتحدث منذ ظهور البحيرة الصغيرة الحديثة العهد وهي ابنة البحرالأبيض المتوسط .

جغرافيا أرمهندز منفصل عن ثيزرث أكثر ، وخصوصا بعد كري الترعة الجديدة بعرض يزيد عن مائتي  متروبطول يربوعن  كيلومتر ونصف  ،لتجري التيارات المائية بقوة  للقضاء على ركود مياه البحيرةالصغيرة المهددة بالجفاف ،كما حدث في 1940م وعرف  بعام “أوبوري” الذي بقي فوق سطح البحيرة وعمي بسبب الملح ، وبعام الجوع كما تقول روايات بعض القدماء ،وثربيفت اليوم بعد انسداد بوقانا أصبحت في تربة ثيزرث ،ولكن هي اليوم عبارة عن أنقاض ورسوم دالة على بعض الأسر التي انتقلت إلى بني انصار؛ كأسرة الحاج ميمون / الحاج محمد / الحاج طارق / معنان أعمار/ وبوزيان  أعمار /وزهتان /وبويعماذ / وآيت أجوهاروغيرها من الأسر ،بعض أفرادها  رحلوا إلى دار البقاء رحمهم الله جميعا .

اجتماعيا ؛ أرمهندز متصل بثيزرث بعدةعوامل ؛ الأواصر العائلية والقرابة ، وروابط المصاهرة والمعرفة والجواروطبيعة المهنة ،  زيارات متبادلة بين الأسر عن طريق الملاحة البحرية ، هذه الأسر متضامنة متعاضدة متكانفة في السراء والضراء والشدة والرخاء ، وفي المسرات والأ حزان ، أعراسها فيها تعاون ومساعدة مادية ومعنوية ،وتنافس بين أهل أرمهندز وأهل ثيزرث ،يلاحظ التنافس على أشده في ترديد الأغاني و”الشظيح ” وفي طلب إخلاء السبيل  غنائيا ؛”

أتاسع أربارني / أتسع واجب أغيرين

حينما تزف العروسة  إلى دار العريس تردد الفتيات والنساء ؛

أياثسريثت  أنغ أيقات أيقات /// 

أيامس أموراي أيس  رفنار أرقات .

وفي تلك اللحظات  يحدث أخذ ورد ومساومة ومناقشة من أجل من ينزل العروسة من السيارة أومن فوق الدابة ، وغالبا أم العريس هي التي تتولى بذلك ….؟ ولا بد من  شروط وقيود والتزامات …وبعد تناول العشاء وأثناء الرجوع تردد الفتيات والنساء أبياتا في المدح ؛

والله  إلا  نشا  والله  إلا نسوى

والله  إلا  نقم  رخنا موسيا.

كلها أعراف وتقاليد أظن  أنها في طور الانقراض ، بعلة العادات الدخيلة على  الأعراس  الجديدة التي تقتل التواصل والتعارف ،وجلوس أفراد العائلة للاستفسار والتسآل حول الأحوال  ،لأن الأعراس كانت كالمهرجانات قد تستغرق أسبوعا فيها تتواصل العائلات وتتساءل عن الأحوال الصحية والمادية.

مهنيا ؛ يشتغل معظم أهل أرمهندز بالصيد صيد الحوت ، واستخراج المحار واللزيق وأم الخلول وبلح البحر والسلج .وثمة من هو مختص  برفء الشباك ،ومنهم من يزاول مهنة الطب والتعليم ومختلف الوظائف.

فلاحيا ؛ الغلات والمحاصيل ،تدل على امتهان أهل أرمهندز الفلاحة التي هي من أهم الأنشطة التي يسعد بها الفرد وهو في الحقول،  يتفقد المغروسات والمزروعات  ؛من قمح وشعير وذرة وشمام وبطيخ أحمر وزيتون وتين ونعناع وكزبرة وكرفس وبقدنوس وخيار وطماطم وفلفل وغيرها …بالرعاية من سقي وتهذيب وتشذيب وتقليم وتنقية من الطفيليات  …ومن عجائب ثيزرث وأرمهندز ؛ بين البحرين مياه عذبة وبعمق متر ونيف أو أقل  ، تصفيها الرمال ، ولكن في أواخر القرن الماضي بدأت تلك الآبار الصغيرة القليلة العمق في طورالانقراض بسبب الملوحة.

أسفل الهضبة يبدو شاطئ البحر الأبيض جميلا برماله الذهبية ،وبصدفه وحلزونياته التي تقف سدا منيعا في وجه الأمواج العاتية ،وحين تمشي فوقها تحدث أصواتا كالصحنين في أنامل الغجرية التي ترقص على أنغام الفلامينكو ،تبحث عن مكان لإقامة الخباء ، أو عن شجرة الأثيل لتتفيأ بظلالها ، وبعد شي السردين اللذيذ الشهي ـــ أكلة الفقراء والأغنياء المليئة بالفيتامينات  ــ وشرب كأس شاي منعنع تشعر كأنك في سنة ، بسبب الوسن في وقت القيلولة أو الهاجرة ،وبعد العصرونية وجبة العصر، تفكر في الرجوع إلى نقطة الانطلاق ،وأنت وأسرتك في نشاط وفرح ،وتبقى بعض المناظرمغروسة في مخيلتك علاوة على آلة التصوير والهاتف.

استنتــــــــــاج

1)الرحلة من وسائل التثقيف والتنشيط والترفيه والترويح ، بها ينسى الإنسان الرتوب والملل ، ويقف من خلالها على المناظر الخلابة والمآثر التاريخية ميدانيا ،ويستفيد تاريخيا وجغرافيا وسياحيا ونفسيا وصحيا .

2) يجب الاهتمام بأرمهندز من حيث تعبيد الطريق ، لفك العزلة أيام هيجان البحر ، ومده بالماء الشروب  وهو في أشد حاجة إليه ،لأنني عاينت صهاريج مائية تجرها الجرارات  لتوزيع الماء بكلفة مكلفة  ، ولا بد من زيادة المصابيح الكهربائية  لتقوية الإنارة .

3)الشاطئ يجب استغلاله سياحيا من أجل الرواج التجاري والنمو الاقتصادي ، وخلق فرص العمل لأهل المهندز.

4)البحر مصدر رزق وعيش للصيادين ، وملهم للشعراء والرسامين والكتاب ،وعنه نتجت صناعة السفن ،ونشطت الملاحة البحرية التجارية والسياحية ،وتمت المواصلات قبل اختراع الطائرات بين الدول والقارات ،وظهرت الرحلات الاستكشافية ؛كرحلة ماجلان وحنون وكولومبوس وفاسكو دي غاما وغيرهم ، وعنه ظهرت رياضات بحرية ، وقامت صناعات مختلفة ؛كتصبير الأسماك واستخراج المرجان والملح والبحث عن عرق اللؤلؤ .

5) لا بد من تزويد أرمهندز بمستوصف وقسم للمستعجلات أضعف الإيمان ، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ، وإنشاء إعدادية ،ودار للمرأة لتتعلم المرأة الخياطة والطرز والقراءة والكتابة ، فالمرأة يجب أن تتعلم ؛علموا المرأة فالمرأة عنوان الحضارة كما قال الشاعر الزهاوي .

6)  على جميع المصطافين وغير المصطافين أن يحافظوا على البيئة والطبيعة ،بتجنب  ترك الأشياء التي قد تكون السبب في الحريق ، فالغابة ذات الرمخ لها  رواء جميل ،وهي الرئة التي تصفي الأكسجين الذي هو عنصر مهم في حياة الإنسان  .

7)إنك سترجع إلى أرمهنذز بسبب  الطبيعة الجذابة التي تسحرك وتلهمك وتدفعك إلى التفكير والتدبر في الكون وفي خالقه فتزداد إيمانا بالله …. البحر/ الشاطئ / الحلزونيات /الصدف /المحار/الرمال /التراب /الأشجار/ النوارس …سترجع إلى أرمهندز لأنك تكون أمام لوحات جديدة من حيث الحركة والسكون والمدوالجزر والهيجان واضطراب العلاجيم  ، لوحات ناطقة بموسيقى أمواج  اليم ، وسيحصل لك ما حصل للذي يذهب ليستحم في النهر ،إنه يقع في النهر مرة واحدة وإن ذهب عدة مرات لأن الماء يتصف بالجريان ،أجل للرحلة والسفر لما فيهما من فوائد ،  بجل للترجل والمشي والحركة ، لا للجلوس  والركود والجمود كالجلمود.

شارك المقال :