أصوات سيتي // بقلم: ذ. الحسين الحموتي

إن حظيت بالاستمتاع، مثلي، بمنظر انجلاء الظلام التدريجي مطلع الصباحات الربيعية والصيفية للسنة الجارية، وأنت بشارع الحسن الثاني في بني أنصار، وتحديدا بمحاذاة الحديقة التي تتوسطه وشارع آخر مستحدثا بمركز المدينة، فلا بد أن يكون قد استرعى انتباهك مشهد أخاذ لكن مقرف جارح للوجدان، وذلك يتمثل في الانسحاب التدريجي لظلام يرق ليشف عن شبح أغبر يتميز في هذا السديم كالفينيق الخرافي منبعثا من رماده يخطو بتؤدة خطوتين أو ثلاثا ثم يتراجع إحداها، لكن لا يكف عن الاستدارة يمينا وشمالا برأسه ضاغطا بذقنه الشعث شعره الكثيف كأنه يصارع جنيا سكن أحشاءه وفتائل شعر قامته المشكلة بالأدران اللاصقة، تتطاير أفقيا تطاير مراكب الأطفال في مواسم معارضهم (feria)، برقصاته كالممسوس تحت فروض طقوس مدعي إخراج الجن. يستأنف سيره مسلما مقوده لرجليه الحافيتين السوداوين بالوسخ وعيناه مثبتتان في أديم الأرض كأنه باحث عن ضالة، غير آبه بالمارة يتناوب بكفيه على حك رأسه وجذع حسمه كالمجروب. تمزق أسفل سرواله عموديا فأبان عن رجلين نحيلتين في شبه انكسار دائم، كما أن انفصال سرواله وتبانه عن قميصه باستمرار يكشف عن خصر مترهل ويسمح لطلائع عورتيه بالبروز… هكذا يظل هذا المواطن البريء (أخونا أردنا أم كرهنا)، مستديما طوفانه حول الحديقة طول النهار، في حركاته الهستيرية، حتى إذا ما أضر به الجوع هرع إلى مستودعات القمامات لينتقي من فضلات الطعام وما تبقى من مشروبات في القنينات ما يلذ له، فيجلس القرفصاء ليتناول بخفة ما ساغ له منها، ثم يستأنف طوفانه كـ”سيزيف” في الأسطورة اليونانية… إن أخانا الممسوس ما زال إلى يومنا هذا منذ تسعة أشهر أو يزيد دون أن تتحرك مشاعر الإنسانية والوطنية قيد أنملة في وجدان سلطاتنا المحلية (إن كان لها وجدان)، فكيف نترجى قيامها بالواجب وهي جوفاء إنسانيا ووطنيا، سيما أن علم وفلسفة الأخلاق (الإيتيقيا) يقولان بأن القيام بالواجب عماده الحس الوطني والإنساني…؟ إننا لا نعقل، فالقرآن الكريم، وخاصة سورة البقرة، الذي تكرر فيه شرط التزام التعقل للإتيان بالأعمال الفضيلة، “إن كنتم تعقلون” إلى درجة مكلف حصر عدده، يوحي بأنه يكاد يجعل التعقل (استعمال العقل) من مناسك العبادات.

وقبل أن استودعكم الله أرجو –معشر القراء- تفهمكم لقصدي من تعمد هذا الوصف لأخينا المتشرد، والمتمثل في الاستزادة من عطفكم عليه وتضامنكم مع المماثلين له، ومن غثيانكم المقيئ ليملأ أطباق ولائم المتسلطين علينا سلطاتهم التمثيلية منها والمخزنية (الحكومية).

وإلى اللقاء في الحلقة الثانية من هذا المقال. يتبع…

شارك المقال :