أصـــوات سيتي // بقلم: الحموتي محمد

دأبت الجمهورية التركية منذ نشأتها كدولة حديثة من قبل أب الأتراك مصطفى اتاترك على التأكيد بانتمائها الأوروبي٬ و حاول النظام السياسي بقيادة مصطفى اتاترك التخلص بكل ماتمت بصلة بالثقافة الأسيوية أو الإسلامية٬ بدأ بالخلافة الإسلامية والحروف العربية ثم اللباس التقليدي للاتراك..٬ تعويض كل ذلك بما هو أوروبي٬ الهوى الأوربي أنقى٬ غير أن أوربا المسيحية تأبى القبول بثقافة تشكل هاجسا بما تحمله من حمولة ثقافية ودينية وشرقية…

أوربا تخشاها و تتوجس من توسعها.

إلا أن هذا لم يمنع الأتراك من محاولة نسيان الماضي و النظر إلى الحاضر و المستقبل المشرق في أوربا المتحدة على اعتبار أنها جزء من أوربا و حليف سياسي و عسكري من حلفاء الناتو٬ إلا أن هذا لم يشفع لها لدى الحلفاء الأوروبيين الذين ينظرون إليها كحليف استراتيجي لصد أي طموح للاتحاد السوفيتي سابقا أو للاتحاد الروسي حاليا٬ على اعتبار أنها رأس حربة لأي هجوم قادم من الشرق.

و مع ذلك لا يقبل بها ضمن الاتحاد الأوربي تحت عدة مسوغات ٬ حقوق الإنسان، فساد العدالة، حماية الاقليات… إلا أن السبب الرئيسي لم تبوح به القيادات الأوربية والمتمثل أن تركيا لا تنتمي إلى النادي المسيحي الأوربي ذوي الانتماء للحضارة المسيحية اليهودية رغم ما تدعيه من علمانية وديمقراطية واحترام تعدد الثقافات. ذلك صحيح إذا تعلق الأمر بكيان أوربي مسيحي من العرق الأبيض أما عدا ذلك فهو بمثابة تابع أو هامشي.

تعتبر تركيا من الدول السباقة إلى المطالبة بالانضمام إلى المجموعة الأوربية عام 1959 و لم يكن قد مر سوى سنتين على تأسيسها (إعلان روما عام 1957 ) السوق الأوربية قبل أن تتحول بعد ذلك إلى الاتحاد الأوربي٬ مع ذلك لم يتم القبول بها٠ و في كل مرة يتم وضع عدة شروط لبدء المفاوضات منها احترام الأقليات٬ إلغاء الإعدام٬ وتحسين العلاقات التركية اليونانية وفعلا عملت تركيا جاهدة على تنفيذ هذه الشروط بعرض القبول بها كعضو كامل العضوية.

و في عام 1999 خلال قمة هلسنكي تم الاعتراف بها (أي تركيا) رسميا بصفة مرشحة للعضوية الكاملة في الاتحاد الأوربي، و مفاوضات الانضمام لم تبدأ إلا في أكتوبر 2005 في عهد العدالة و التنمية إلا أن من غرائب السياسة الأوربية انه تم القبول بأعضاء جدد في الاتحاد الأوربي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، رغم أن هذه الدول كانت الأضعف اقتصاديا، سياسيا، اجتماعيا، بالإضافة إلى المشاكل العديدة التي كانت تتخبط فيها، على اعتبار أنها كانت خاضعة للنموذج الشيوعي الذي يتعارض تماما مع اقتصاد السوق و النهج الليبرالي و الأمثلة عديدة بولونيا، رومانيا، التشيك و سلوفاكيا٠٠٠، هذه الدول يتم القبول بها دون وضع شروط تعجيزية أو مفاوضات طويلة٠

و أما تركيا فيتم تجميد المفاوضات لأتفه الأسباب كما حدث عام 2006 على خلفية الأزمة القبرصية، رغم أن هذه القضية لم تُرفض من قبل تركيا ما دام هناك حلا عادلا يرضي القبارصة الأتراك٠ الا أن هذه القضية هي مجرد شماعة يلجأ إليها الاتحاد الأوربي للإطالة من وقت المفاوضات حتى لا تظهر أمام العالم أنها ترفض انضمام تركيا لأسباب عنصرية يعرفها الجميع، مع العلم أن تركيا أصبحت تشكل قوة اقتصادية وعسكرية لا يُستهان بها و أصبحت قوة إقليمية يحتسب لها ألف حساب٠ و مما أثار غضب تركيا٬ فضح الوجه القبيح للغرب٬ المواقف السلبية و المترددة للأوربيين عقب الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا، و تأكد بذلك للعالم أن الغرب لا تهمه الديمقراطية و حقوق الانسان٠٠٠

المهم أن تكون الأنظمة في خدمة الأجندة السياسية و الاقتصادية للغرب٬ و مواقفها الأخيرة من قضايا دولية يفضح نواياها الخفية٬ سواء تعلق الأمر بدعمها للانقلاب العسكري في مصر على حساب الشرعية التي كانت إلى جانب الرئيس مرسي٬ كما غابت المواقف الرافضة للتدخل الروسي في سوريا الداعمة للدكتاتورية على حساب الشرعية الشعبية التي يتوق إليها الشعب السوري، كما صمتها الغريب على الإبادة الذتي يتعرض لها شعب الروهينغا المسلم٬ لا لذنب إلا أنهم مسلمون٬ ما دام أن هذا لا يشكل تهديدا جديا للمصالح الأوربية، دون أن يتحرك الضمير الإنساني للغرب حتى المنظمات الإنسانية سواء الحكومية أو غير الحكومية٠ لا ذكر لصوتها٬ تصمت أمام هذه الجرائم التي تحرمها الشرائع الدولية سواء الوطنية أو العابرة للوطن٠ أمام هذه المواقف الفاضحة للاتحاد الأوربي ارتأى الرئيس التركي اردوغان أن يهددها (أي الاتحاد الأوربي) باحتمال اللجوء إلى إجراء استفتاء لقطع مفاوضات الانضمام٠

الساسة في تركيا أصبحوا أكثر نضجا و ندية فتركيا العدالة و التنمية لم تعد تركيا التي كان يحكمها العسكر و كادت الدولة أن تعلن إفلاسها الاقتصادي و السياسي، و كانت تركيا في حاجة إلى أوربا، لالتقاطها من الانهيار، أما الآن و الحال قد تغير أصبحت تركيا تشكل قوة اقتصادية يحسب لها الكثير، بل و أصبحت تتفوق على العديد من الدول المنضوية تحت الاتحاد الأوربي٠ و لهذه الأسباب تركيا تعلم جيدا أنها لن تُقبل مهما بلغت من قوة، و هذا ما يؤكده العديد من الخبراء الذين يجزمون أن الاتحاد الأوربي لن يقبل بتركيا منضوية تحت مظلتها حتى لو توفرت فيها شروط المدينة الفاضلة٬ فكل ما فعلته صنع الأعذار و ربح الوقت٬ إلى أن تصرف تركيا النظر عن الانضمام الكلي إلى الاتحاد الأوربي و البحث عن صيغة أخرى للشراكة و هذا ما ترفضه تركيا و تعتبره إهانة لها٬ و شرعت مؤخرا إلى البحث عن شركاء جدد كأمثال روسيا و إيران أو التقرب إلى الاتحاد الإفريقي كحلول بديلة و إستراتيجية للأمة التركية٠

عموما يمكننا اعتبار الاتحاد الأوربي مجرد نادي يضم مجموعات من القوى الاستعمارية و الامبريالية التي فقدت مستعمراتها٬ و خوفا من أن يخفت وهجها و تفقد أهميتها الاقتصادية و السياسية دوليا٬ لجأت إلى تشكيل تجمعا أوربيا لمواجهة أقطاب دولية جديدة كالصين و الهند وكندا و البرازيل٠

ولهذا لا يمكنها أن تقبل بتركيا كعضو في الاتحاد الأوربي لأنها لا تشكل الخصوصية الأوربية و تعتبرها اقرب إلى الشرق من الغرب مستحضرة الاعتبارات الثقافية و الدينية و التاريخية المميزة للرجل الأبيض الأوربي٬ و لهذه الاعتبارات و غيرها خفية، فإن تركيا ستبقى خارجة عن الاتحاد الأوربي٬ و ما عبرت عنه مؤخرا المستشارة الألمانية (ميركل) من أن تركيا لن تنضم إلى الاتحاد٬ إلا تعبيرا عن النوايا الحقيقية لمعظم قادة المجموعة الأوربية٬ و بهذا يبقى انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربي مجرد حلم بعيد المنال أو مستحيل التحقيق٠

شارك المقال :