أصوات سيتي ~ بقلم ذ. محمادي راسي

الراء من حروف المباني والذولقية وفي حساب الجمل عبارة عن مائتين، حرف مجهور مرفق، والياء من حروف المباني والجوف وفي حساب للجمل عبارة عن عشرة ،وتكون ضميرا للمؤنثة،حرف لين، والحاء من حروف المباني أيضا ومن الحلقية وفي حساب الجمل عبارة عن ثمانية، حرف مهموس مرفق.

الريح النسيم مؤنث أصله روح فقلبت الواو ياء لوقوعها ساكنة بعد كسرة، جمعها أرواح باعتبار الأصل وأرياح ورياح وريح باعتبار الحال.

الرياح في القرآن تدل على الرحمة، والريح تدل على العذاب، وإن جاءت في السورة “وجزين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف” الريح بسكون الياء الرحمة والنصرة، والريّح ــ بالشدــ من الأيام الشديد…

الريح هي صوت وتسبيح وموسيقى وتلقيح ومن عوامل التعرية في ميدان الجغرافية، وهي أنواع؛ الشمال وهي الشمالية، والدبور وهي الغربية، والصبا وهي الشرقية، والجنوب وهي القبلية، والنكباء بين الصبا والشمال، ويقال لها النكيباء وقد استصغروها ولكنهم يريدون تكبيرها، وإذا وقعت بين الصبا والجنوب فهي الجربياء، وهناك الرياح السوافي والمبشرات والحواشك واللواقح والبوارح والمعصرات وكلها لها أدوار مختلفة لا تهب اعتباطيا وعشوائيا، ولا تذهب هباء منثورا، والطبيعة لا تقبل الفراغ…

الريح عند عامة الناس شيء لا قيمة له، بينما هي مصدر للطاقة، ومرادف للحركة والتحرك والقوة، وحينما تكون قوية تتحول إلى أعاصير، ترتفع بالتراب أو بمياه البحر،وقد ضرب المثل بها يقال: “وعده  إعصار ليس بعده إعصار” تكبد خسائر مادية وبشرية وحيوانية وفلاحية، وبسبب قلة الأمطار وعدم  هبوب الرياح عمدت إسبانيا إلى الرفع من فاتورة الكهرباء أو بيان حساب.

الريح قد تنوب عن الإنسان في تشطيب الشوارع، وقد تسجنه بقوتها فلا يستطيع الخروج من المنزل، في غضبها تعطل الرحلات الجوية والبحرية، تمنع الصيادين من صيد الأسماك، تشل حركة الدراجات الهوائية أو العادية، تجبر الطيور على الاختباء، تكسر الأشجار، تهدم المنازل، تقطع التيار الكهربائي، في هبوبها القوي تحزنك، وفي هبوبها الضعيف تجعلك فرحا تنبه عقلك الساهي،  وتنشط جسمك المنهمك فيصبح خفيفا، تلطف الحرارة المفرطة المهلكة، تلعب دورا هاما في تبريد محركات السيارات وغير السيارات، وحتى عجلات السيارات تملأ بالهواء وكذلك كرة القدم، بسببها اخترع الإنسان المروحة لاستجلاب الريح للتخفيف من الحرارة، بها تجري السفن الشراعية، وفي الرياح تبادر إلى ذهني ما يلي؛

ما كل ما يتمنى المرء يدركه /// تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.

وفي أبيات أخرى؛

تجري الرياح كما تجري سفينتنا /// نحن الرياح ونحن البحر والسفن

فاقصد إلى قمم الأشياء تدركها/// تجري الرياح بما رادت له السفن

وشاعر القطرين؛

شاك إلى البحر اضطراب خواطري/// فيجيبني برياحه الهوجاء

وذكرتني الريح بقصيدة النهر الخالد لمحمود حسن اسماعيل، وبالغناء الأصيل الخالد مدة دوام الأسطوانة والمحافظة على التراث  للموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب

سمعت في شطك الجميل /// ما قالت الريح للنخيل

جعل الشاعر الريح تنطق دون أن يشير إلى هزيرها وهزيزها وهزبزها وهريرها وغيرها من الأصوات الكثيرة…

ودون أن أنسى الرواية التاريخية المشهورة للكاتبة مارغريت ميتشل: “lo que el viento se llevo”.

وفي الأغاني الريفية القديمة التي كانت تردد  في الأعراس في مدح العريس:

ثزيتونت  أنوبيرذ ذ الريح  إتهزن ///

أيا مورانغ  أور ا نس  إوزن. في رواية؛ لكلامنس إوزن

وفي الريح رددت النساء قديما؛

أسوضد  أصميذ يمخروض ذر بحار //

يندرد  أغربو أفرينا ثخسار . (أصميذ بمعنى الريح )

وفي إحدى الأبيات النادرة  وهي من روائع الشعر الريفي وعلى لسان راوية قديمة حافظة للشعر حفظها الله؛

أيا ثفوشت أ يا ثفوشت أحنّا دواي //

نش ما ذرّي اينو  أسينو يدّراي.

أيا أسينو أيا أسينو أحنيني دواي //

نش ما ذرّي اينو الريح يسضوي.

أيا الريح أياالريح أحنيني دواي //

نش ما ذرّي اينو أغبار إرقاي.

أيا أغبار أيا أغبارأحنيني دواي //

نش ما ذرّي اينو أفوناس إهدماي.

أيافوناس أيافونس أحنيني دواي //

نش ما ذري اينو أرمورو إنقاي.

هذا الشعر ضاع منه الكثير لهلاك حفظته ولم يدون ويحفظ، لذلك ذهب مع أدراج الرياح، ونرجو من الباحثين في هذا الميدان أن يجتهدوا بالتواصل والبحث مع الذهاب إلى الأرياف والقرى لجمع روائعه؛ لفظا ومعنى وموسيقى فهو قديم قدم الإنسان الريفي.

وأهل جرسيف يرددون: جرسيف؛ الشيح والريح، السروال أقصيف، والعيشة بسيف”، فكلمة الريح متداولة شعبيا ولغويا ولهجة وأدبيا وعلميا وجغرافيا علاوة على المصطلحات المطلقة عليها. ويحكى قديما أن بعضا من أهل بني انصار هاجروا إلى أماكن أخرى بسبب الرياح… وكان يطلق على بني انصار جهة “قاليطة” عند عامة الناس؛ “ثورث نالريح نرغربي” أي باب الرياح الغربية.. أو  مسهج الريح…. والله أعلم، ويقف جبل كوركو سدا منيعا في وجه الرياح الغربية القوية، كما وقف في وجه الأطماع الأجنبية منذ الفنيقيين وغيرهم من المستعمرين.

وفي القرآن الحكيم “وأرسلنا الرياح لواقح”، “فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا” فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا”، “ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات”، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم “ريحكم  بمعنى قوتكم

وفي خطبة طارق بن زياد …”وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم ولم تنجزوا لكم أمرا ذهبت ريحكم …” أي قوتكم ؛ تلكم الخطبة التي حيرت الأدباء الكبار والمفكرين وأهل البلاغة جعلتهم يشكون في لغتها وبلاغتها أمثال شكيب أرسلان  الذي تراجع عن شكه وأثبتها كما أثبتها العلامة عبد الله كنون ، وعبد الله عنان يرى أنها لم ترد في المصادر القديمة نقلها المقري عن مؤرخ لم يذكر اسمه …كما تعرض إلى جمال الأسلوب وبلاغة الخطبة ، وأحمد هيكل يستبعد أن يجيد طارق بن زياد العربية في فترة وجيزة …..؟؟ااا.

وفي التعابير الشعبية الإسبانية أثناء المجادلة التي تؤدي إلى الغضب يستعمل هذا التعبير بكثرة “اذهب لتشرب الريح ”         tomar el viento/  vete  /

/ vete a tomar por viento /

/irse a tomar viento/

Vete a tomar viento a la farola /   /

ومن أمثال اللغة الإسبانية؛ “el que siembra vientos cosecha tempestades  أي الذي يزرع الرياح يحصد العواصف ..وفي مجتمعنا تستعمل أيضا كلمة الريح في التفاهة أثناء المناقشة، وحتى الذين يسيطرون على أملاك الغير يقولون للضعفاء الذين سرقت ملكياتهم باللغة الريفية” غرك شا نرشغذ،؟ حين تكون الإجابة بالنفي… يردد المسيطر ؛”غرك  أريح “أي لا شيء.

…في رواية “رسالة إلى الله “1961 م.  يحاول الأب أن يقنع ابنته التي تثير أسئلة حول الله ومكانه ،وتريد أن تراه  وتكتب إليه رسالة ، وقد أقنع ابنته  بضرب المثل بالريح أو الهواء الذي نحس به ولكننا  لا نراه ،فكذلك الله موجود ولكننا لا نراه.

إن الرياح بتعدد أسمائها الكثيرة وأصواتها العديدة المتواجدة في قواميس اللغة ، ومصطلحاتها المختلفة عند أهل الجغرافية ،واختلاف نواحي هبوبها وقوتها وضعفها وفتورها وسكونها ، لها سلبيات وإيجابيات وهي من الظواهر الطبيعية التي لها قانونها ومواسمها ودورها ، أحيانا لا أفهم مصدرها وسببها ؛في بعض الجهات تكون فيها الرياح قوية ،وفي جهات أخرى قريبة لا ريح فيها،بغض النظر عن الضغط المرتفع والمنخفض، والدورة العامة والدورات النسبية الشاملة والرياح المحلية وغيرها من الأسباب التي لا داعي إلى ذكرها نظرا لكثرتها وتشعبها…. أترك المجال للمتخصصين.

كما أن هناك تيارات هوائية ومائية هناك تيارات فكرية عبارة عن رياح تذهب وتندثر كالدخان ولا تستقر على حال ،ولا تصلح لا للعادة ولا للعبادة  ؛ لغياب العقلنة والرزانة والمنطق والأسس والأركان والأخلاق  ،كالموضات والخزعبلات والترهات والتفاهات والخرافات والسفسطة والهرطقة والهذرمة والسفسفة كالرياح المسفسفة، فلكل بنيان أساس متين ، ولتماسك أفراد المجتمع لا بد من أخلاق كريمة وتربية حسنة هادفة موجهة إلى كل ما فيه خير.

الريح هي  الهواء والهواء من العناصر الأربعة عند القدماء ؛التراب / النار/ الهواء / الماء ،أوالاسطقسات والمواد والأركان ، والهواء ضروري للإنسان كالماء الذي هو الحياة “وجعلنا من الماء كل شيء حي “صدق الله العظيم .

وختاما إن الرياح من معجزات الله “أرسلنا الرياح” لواقح / ريحا صرصرا / مبشرات / معصرات / تنقل الأمطار إلى مختلف الجهات…. هي سلاح ذو حدين لا يرى، قوي بدون آلات ومعدات حربية ؛ من مجانيق ومدافع وصواريخ ودبابات ومدرعات ومتاريس ودراع ومجرفات وجرارات وطائرات و”درونات” و”طوربيدات “وحفر الخنادق والأسوار وإعداد الجيوش والعتاد  والبحث عن الوقود والطاقة.. فهي أي الرياح نفسها طاقة جامعة لا ترى بالعين، نحس بها ونرى أثرها وما تتركه من خسائر أثناء تحولها إلى أعاصير وعواصف وزوابع ،والأجانب وعلى الخصوص أمريكا الشمالية والجنوبية  منحوا أسماء لبعض الأعاصير بالتأنيث والتذكير باعتبار قوتها وضعفها،  ويستعدون لها قبل حدوثها تجنبا للمخاطر والخسائر في الأرواح البشرية والحيوانية والمزروعات والمنشآت وكل ما يتعلق بالإنسان ومحيطه ومدينته وبيئته، ونطلب من الله أن يحفظ جميع مخلوقاته وهذا العالم الذي نعيش فيه من الزلازل والزوابع والعواصف والصواعق والأعاصير ويهدي جميع البشر في مشارق الأرض ومغاربها إلى ما فيه خير وسعادة وسلام واطمئنان وتقدم وازدهار.

وبعد، هذه سوانح عرضت لي فصغتها في شكل خواطر انثالت على خاطري فبحت بها لعلي أنساها لأنها  تعتمل في حيزومي ليل نهار ، وكلما اقتربت من البحر إلا وأصواته من الاعتلاج والالتجاج والتناجخ ،وأصوات الرياح من الهفيف والزفيف، تلك الأصوات أحيانا تخيفني ،وتارة أخرى تسحرني وتلهمني، وأحيانا أنام على تلك الأنغام الطبيعية المنبعثة من البحر ذات السينفونيات الهادئة، بها أنسى العالم بالسباحة فيه حلما وخيالا، وأسافر عبر الزمن، كأنني عابر سبيل أو ذاهب كذهاب الريح والسحاب، وأحس أنني لا شيء في هذا الوجود كالريح التي تمر ولا تعود ، تلك الريح بدون عضلات وجسم وعقل، ولا ترى بالعين كالروح، والروح والريح كلتاهما من معجزات الله سبحانه وتعالى الخالق المبدع الباقي ،فكل من عليها فان.

 

شارك المقال :