أصــوات سيتي // بقلم: ذ. محمادي راسي

1)الزغزغ الفهامة في دائرة الحديقة

الزغزغ العنيد المزهو بنفسه، ثلاث سنوات وهو يتردد على المقاهي ليتناول الشيشة، يأتي بعد المغرب منهوكا من شره شرب “الحريرة” وأكل الزلابية، يرجع وقت السحور منخورا متمايلا من إفراط في تدخين الشيشة، ينتقل من مقهى إلى مقهى، لأنه كلما افتضح أمره وعرفت حالته الاقتصادية والاجتماعية إلا وغير المقهى نظرا لتناقضاته وانفصامه وشيزوفرينيته التي يعاني منها، فإذا عرف السبب بطل العجب، وقد أسس جماعة  في تناول هذه المصيبة الدخيلة، لأنه هو عينه دخيل على هذه المدينة، تارة يخال نفسه موظفا ساميا، من خلال جلساته غير السوية، وأراه دائما يدور والهاتف لا يبارح أذنيه، يتعمد ذلك حينما يكون في دائرة الحديقة ليبين للجيران أنه شخص ذو مكانة ومتحضر، و”مرفه ومرفح” بينما هو عاطل عن العمل تارة يكون نقالا عتالا، ومنتنقلا فقد بدأ من إحدى المقاهي بالشارع الرئيسي، واستقر بمقهى صغير مع أصحابه لتناول الركيلة المهلكة، بسلوكه المزعزع الذي يتصف به الزغزغ أصبح معروفا لدى الجالسين في المقهى، بحيله وانتحالاته لعدة شخصيات، تارة يخال نفسه زعيم المقهى، ودون خوان، وأوناسيس بني انصار وغرينغو بينما هو لا يساوي قيمة “خرينغو…؟؟؟

في هذه الأيام الأخيرة لم أره في دائرة الحديقة، ربما أصابته أزمة نفسية وضائقة مالية، للمبالغة في قعثه وزهوه، والإفراط في كذبه وافترائه، وربما فضل التقاعس والاحتباس بين الجدران الأربعة، أو دمغته مقالاتي التي أذعقته، لأنه لا يريد أن يرعوي، فكلما رأى صاحبه صاحب التبان جليسه في الشيشة والهذيان، إلا واستأسد واستنصر، وزاد عتوا وزهوا، ولا أدري أين صاحبه فقد اختفى عن الأنظار، ولم يعد له أثر ولا خبر، ولا قيف ولا قيق، إن الزغزغ اليوم أصابه الندم الذي لا ينفع اليوم، لأنه أحس بأنه اقترف إثما بسلوكه المنبوذ تجاه المارين والساكنين، لذلك انتقل من الدائرة إلى المربع، ثم اليوم يندس وينزوي في قرنة، بعد أن كان يستأسد ويستنسر…، ليبحث عن هندسة جديدة ولدراسة مربعه، وما يتطلبه من تحسين ظروف العيش والراحة والاطمئنان لأسرته، بعيدا عن الدائرة التي ستجره إلى فضيحة، فعليه أن يقبع في مربعه، ويقنع بما كتبه الله عليه، ويحمده على نعمه من رؤية ومشي وسماع وكلام وعقل، إنك أيها الزغزغ تسبح ضد التيار، وتجحد ولا تعترف بهذه النعم، فتريد جسما سقيما عليلا، وعقلا زائغا طائشا، ونفسا مضطربة قلقة، وكلاما نثما نثوا، ولباسا نجسا، وشرابا مرا، وأكلا حراما، وهواء ملوثا بالشيشة التي تدخنها في دائرة الحديقة، أراك اليوم تتقهقر وتحتضر بعد أن كنت تتجبر، فماذا دهاك أيها الزغزغ وما الخبر؟؟؟ وعند جهينة الخبر اليقين، إنني عندما أكتب عن أمثالك الأنذال الأوغاد، يرتاح ضميري من شرك الذي تقترفه أنت، وأمثالك، أمام الناس في هذه البلدة الضعيفة المهمشة بسبب وأسباب …؟؟؟، وهذا هو دور الكتابة وهو التطهير والشفاء من السلوكات والتصرفات المشينة، والمشاهد المخجلة المضرة، فقد خلا لكم الجو… إن أهل الضمائر الحية يتألمون ويشقون… والمثقفون يُحاربون.

2) ــ القضيــــــف

رأيته نحيلا قضيفا كقضيب سلك، ربما تنقصه بعض الفيتامينات لسوء التغذية، أو يعاني من فقر الدم، لا أدري، ولكن أراه يحمل جرابا فوق ظهره، ليتجه هو أيضا إلى وسط الدائرة بالحديقة ليجلس على كرسي وأمامه الطاولة، ثم يقوم باستخراج ما في الجراب الذي هو النارجيلة، وبعد تهييء المستلزمات لتنشيط بل لتخريب عقله، وتدمير جسمه النحيف، يطلب كأس شاي، يمكث إلى منتصف الليل، ينفث الدخان من منخريه، كأنه قطار القرن التاسع عشر يريد الانطلاق، أو الباخرة تريد الإبحار، ولكن لا شيء من ذلك يظل ملتصقا إلى أن يعود من حيث أتى، بعد جمع معداته وهو يتمايل كيراع ، لا عشاء ولا شطيرة، ولا ماء، سوى الدخان والشاي، فهو يبحث عن الشيشة، ولا يبحث عن الخبز، مفارقات وتناقضات عجيبة.

3) صاحب التبان

يحل بسيارته العتيقة هو أيضا مزهو مريض بالعظمة، في صندوق سيارته نارجلية يأتي بها إلى أصدقائه الأوفياء، ليتناول الشيشة وهو مزقزق في كل شيء؛ في جلوسه وحديثه.. يأتي لابسا تبانا “ليبين أنه عصري” وليكشف عن ساقين رقيقتين كاليراع، بسبب سوء التغذية والسهر والمبالغة في شرب دخان أسود، اليوم يبدو ويتخفر ويخجل ويوجل كالفتاة الصغيرة، ويستقبله ذو سروال ضيق “طايا باخا”، يتبختر في مشيته كالمخنث، ولكنه يعتبر نادلا لأنه يهيئ الكراسي والمائدة ويقربها من الجيران عمدا، ليجلس الأصدقاء الأحباء والخلان الأوفياء، وهكذا يقضون الأيام والليالي في الزهو والشيشة، إنه جيل جديد بفكر بديع، وموجة جديدة بمذهب حديث، وبفلسفة معصرنة؛ بشعار اخدم أنت، أو فليخدم الحمار، أو فلتخدم المرأة.. أما صاحب الركيلة  فيخدم في الطواف بالشوارع، والجلوس في المقاهي، يرصد الداخلين والخارجين ومعاكسات الفتيات المارات بالشوارع، ويحسب عدد السيارات… إنها حياة جميلة، لو كان المجتمع على هذه الشاكلة لتقدمنا أكثر في جميع المجالات الاقتصادية والصناعية والفلاحية والفكرية والثقافية، “ولكن ماما اندكدك هي التي تشتغل وتتكفل به”، أو إنه في تقاعد لأنه ادخر دخان الشيشة منذ صغره، ليضمنه ويجده في كبره، وذلك هو التقاعد السعيد، لأن كلمة التقاعد بالأجنبية “خوبلاثيون” تعني السعادة، ولكنه في الواقع يعيش في شقاء، وسيقوده الدخان إلى الهلاك قبل أن يصل إلى سن التقاعد.

لقد اندثروا جميعا  ولم يعد لهم أثر، وغادروا الدائرة التي كانوا يسكنون فيها ليلا إلى الصباح، بفضل كتابنا المحترمين الملتزمين العاملين على فضح كل سلوكات مشينة  صادرة عن متهورين مراهقين، ظانين أن هذه البلدة جاهلة أمية، لا تستطيع مجابهتم، وإننا بحول الله سنفضح كل مسؤول  قديم أو وافد جديد، لا يقوم بواجبه نحو هذه البلدة والمواطنين القاطنين، وكفى من التسلط والاستبداد، و جمع الدريهمات، واستغلال وابتزاز واستفزاز الضعفاء الأبرياء، لأن هذه البلدة ملت وسئمت كل الممارسات الرعناء، التي جعلتها متخلفة في جميع الميادين، ومتأخرة عن باقي المدن المغربية.

صيف 2013م | شهر رمضان.

هـــــــــــامش إضافي

هذه الشخصيات البارزة المعتمدة عند البعض، المهندسة في الاستراتيجيات، تفرقت شذر مذر، هي التي تفسد الشباب البريء، تشجعه على تناول المحرمات القاتلة، حتى إن أحدهم يبحث عن استراتيجية أخرى،  يندس في دروب مسدودة، وأزقة ضيقة، ويتوارى عن الأنظار، كما فعل الزغزغ المندحر المتحير، فقد غير الحي والسكن والمكان والزمان، لفشله في خطته المرجوة، ولم يبق عنتريا ورئيسا للحديقة التي  كان يظن أنها في ملكيته الخاصة، أو ملكها عن طريق الإرث، أما أهلها الحقيقيون فقد رحلوا إلى دار البقاء، تغمدهم الله برحمته الواسعة.

لا ندري متى ستصبح هذه الحديقة بُنانة نضيرة…؟؟ فقد قتلوها ودنسوها بالتبول والتغوط، وبغبغوا بوارضها بالكراسي  والموائد والأقدام، وأفعموها كناسة وخشارة، وكسروا مصابيحها إلى أن أصابها الخدر “بكسر الدال” والقفر، وتركوا بعض أماكنها برضة ماحلة، وليست روضة مخضرة، ولا ريضة روفة يانعة، باستراضة الماء فيها، ولا روضا أريضا  للتأرض والاستراحة والترويح والتنزه فيه، وقت اليأس والقنوط، لدرء الرتوب والروتين… لا ندري متى…؟ ربما إلى أن يشيب الغراب، ويرد الضب… “ودون هذا وذاك شيب الغراب”…!!! وستبقى هذه المدينة الحيرى المحيار إن سارت على سيرها القديم؛ أضل من ضب، وأعقد من ذنبه، وقد ضل من كانت العميان تهديه.

شارك المقال :