اليوم الثلاثاء 24 يناير 2017 - 21:20

أريها السهى وتريني القمر..!!!

أخر تحديث : الجمعة 10 أبريل 2015 - 10:27 صباحًا
بقلم ذ.محمادي راسي | بتاريخ 9 أبريل, 2015

في هلة المقالة:

أسوق الأبيات الآتية ــ رغم قدمها ــ لطلاوتها وعذوبتها، وإن كان أعذب الشعر أكذبه كما قيل، أو أحسن الشعر أقصده، أو أجود الشعر أكذبه… وهذه القولة القديمة يرددها أهل الأدب والدرس والبيان واللغة، ولسلسلة ألفاظها، وجلجلة حروفها، وتناسق معانيها، هي أبيات في التربية والمعاملة، وعدم التسرع والتهور والتجبر، وإن كان فيها افتخار كرد على المتجبر الذي لا يريد أن يرعوي، ولا أن يهتدي إلى السبيل القويم الرشيد، والطريق السديد، إنها أبيات تتدرج من اللطافة والليونة واللباقة والرفق والتريث والترجي إلى الشدة والقوة والإثبات، لمواجهة السلوك المتعنت، فمن  أسلوب النداء إلى أسلوب النهي، وأسلوب الطلب وجوابه، إلى أحرف الاستفتاح والتنبيه والتوكيد، كل ذلك؛ لتوضيح وفك ما غمض من أمور، وكشف ما هو مستور، كأنها علامات التشوير المثبتة على جنبات الطرقات للسائقين؛ من انتباه وخطر وسماح وقف… إليكم الأبيات لأبي عباد عمرو بن كلثوم المنتمي إلى العصر الجاهلي: العصر الفني كما يسميه أستاذنا نجيب محمد البهبيتي.

أبا هند، فلا تعجل علينا؛ /// وأنظرنا، نخبرك اليقينا

ألا، لا يعلم الأقوام أنا ///  تضعضعنا، وأنا قد ونينا

ألا، لا يجهلن أحد علينا، /// فنجهل فوق جهل الجاهلينا

لو بقي أستاذنا الجليل المرحوم نجيب محمد البهبيتي حيا، تلميذ طه حسين سابقا، لاستغرق في شرح هذه الأبيات أكثر من ساعتين، كما كان يفعل حينما كان يشرح أبيات المعلقات، في مدرجات الجامعة في أواخر الستينيات، من الناحية النفسية والثقافية والاجتماعية والسياسية والعصبية القبلية والجغرافية والتاريخية والظروف والملابسات، والنحوية والبلاغية؛ البيان والمعاني والبديع والصور الشعرية، وكان يحار رحمه الله في قول امرئ القيس في وصف الفرس من حيث الصورة الشعرية؛ “مكر مفر مقبل مدبر معا”… وغيرها من أبيات المعلقات المغلقات المستغلقات، حينما استحضر بعض أبيات الشعر القديم، أحس كأنني ما زلت طفلا في المستوى الابتدائي، لا يحسن القراءة، ولا يتقن الشكل، ولا يدرك المعنى والمبنى، ولا يفهم المغزى، ولا يعي المرام والمرمى.

ثمة شرذمة نزيرة غير نزيهة، تعد على رؤوس الأنامل، بشعار: التبجح والبداخة والبخبخة والجح، والغطرسة والبقبقة والزقزقة والرقص على الخواء، غفر الله لها على تلة من التلالة في هذه المدينة؛ مدينة  بني انصار كما سميتها المهمشة المنسية البريئة اليتيمة، تستجهل الساكنة وتستخف بها، لأنها تعتبر المدينة صامتة جاهلة أمية ميتة، لا يمكن أن ترفع عقيرتها وصوتها، وتشهر الورقة الصفراء والحمراء في وجه المتهورين والمقصرين في عملهم أثناء القيام بمهامهم، يلاحظ أحيانا العشوائية والاعتباطية في ضبط مصالح المواطنين، وركوب سلوك المحسوبية والزبونية، والغنيمة الباردة، والاستهزاء بالمواطنين حينما يلجون إلى مختلف المؤسسات العمومية للحصول على وثائقهم، أو أداء ما يجب تأديته، أو استيلام أشياء تخصهم.. إن هذه السلوكات نعاينها ونشاهدها، وتكرر يوميا، نظرا لسكوت بعض المواطنين الأبرياء الضعفاء.

على المتهورين الذين لا يقدرون المسؤولية، أن يحذروا غضب بني الغبراء، ولا أحد يستطيع أن يبيخ احتجاج الفقراء الذين أصابهم البوخ المبرح المضني المفضي إلى الهلاك، فالضغط يولد الانفجار، وللصبر حدود.. والتسلط والشطط انتهت صلاحيتهما، غير قابلين للتجدد والتجديد والاستمرار والدوام، أمام تسلح المواطنين بالوعي والمعرفة والتجربة.

ومن خلال المعاينة والملاحظة؛ تلك الثلة القليلة؛ يجب أن تخصص لها بضعة دروس في التربية والأخلاق، وطريقة التواصل مع المواطنين حسب درجة ثقافتهم ووعيهم ومدى فهمهم وتفهمهم واستيعابهم للأمور فالعقول مختلفة، لا بالتسلط والتكبر والتجبر والاستهزاء والتخويف، كما على المكلف؛ أن يتواضع وينزل إلى مستوى المواطن، وأن  يعترف بأخطائه إذا ما ارتكبها في وثيقة ما، كيفما كان نوعها أو أهميتها ــ  كتابة ومضمونا وشكلا ــ وألا يلجأ إلى المداراة والحيل وتمويه الحقائق والتملص والتهرب، من خطأ واضح كالشمس، أو زلة كحجم الجبل، خوفا من الفضح والمسخ، لذلك لا يعترف بأخطائه التي قد تكلف المواطن كلفة مكلفة، وتسبب له مشاكل مختلفة، إذا ما حاول تصحيح الوثائق والمستندات للحصول على المستحقات، ويستغرق الضبط أياما وشهورا وأعواما، فالتنبيه واجب كي لا يكرر بعض المكلفين الأخطاء، وليأخذوا الحيطة والحذر والعبرة من الزلات السابقة، تفاديا عدم تكرارها، وتجنبا لما لا يحمد عقباه، كالتأديب والتنقيل والعزل والتشطيب.

بمرد سوء التسيير، وعدم تقييم الأمور، وتقدير الأشياء، وغياب الجدية والضبط والإحكام والترشيد والحكامة، وتفشي ظاهرة التقصير والإهمال والإغفال، وأفول الاعتراف بالأخطاء، مع التمسك بالبلبلة والسفسفة والسفاء دون البحث عن الزلات، والوقوف على مكامن الأخطاء والعلات، مع القيام بشروحات وبيانات لإقناع المواطن، ليس بشعار “ماشي شغلي”، و”معلهش”، جاءت صورة مدينتنا متسخة قاتمة، طافحة بالسلبيات والتقهقرات مليئة بنقط سوداء، ملوثة بالأزبال والأدران أني اتجهت، مهمشة من حيث حدائقها؛ فالحدائق عبارة عن حظائر للبغال والحمير والأغنام والثغم، ومسارح وفنادق ومقاهي وكوليزيومات وحانات وملاهي للأنام أو الآنام… !!!، إنه احتلال للملك العام بدون قانون  وسند وعقد… ولذلك تشهد الحديقة الاحتلال والاختلال… وشوارع المدينة وطرقها” وحتى الرئيسية المؤدية إلى الناظور وغيرها”، مليئة بالحفر بأنواعها وأشكالها؛ كالأثلام والثقوب والجوب والخلال والتجويفات والفجوات والتصدعات والفلوع والشقوق والفلوق والفتوق…  وبعض أحيائها ومداشرها معزولة من حيث الإنارة والكهرباء والمواصلات، بعيدة عن الإدارات والمرافق والمصالح العمومية.

وختاما أنفر من مشاهدة بعض المشاهد المشينة، وبعض اللقطات المستفزة، وبعض السلوكات المخزية، لا أعي جيدا، ولا أفقه شيئا، ولا استوعب أمورا،/ ربما من باب الجهل، أو السهو والغفو والغفول، أو عدم الوعي/، ما يدور في مدينتي، وأعجز عن قراءة جغرافيتها المعقدة أكثر من الحروف الهيروغليفية، ولا استطيع التنزه في فضاءاتها التي تعمها الفوضى، والمشي في شوارعها الحافلة بالكلام السوقي الساقط، المليئة بأطفال ويفعان وشبان في سن التمدرس، يجولون ويتسولون، والتسول عادة قبيحة، تعلم الكسل والتواكل، بدلا من البحث عن العمل،  العامرة بالثغم والبهم والبغام، ولا الجلوس في حدائقها المليئة بالروائح الكريهة النتنة، علاوة على رائحة الشيشة الخبيثة المضرة، مدينة بلا ضمير ووعي ومراقب وحسيب ورقيب، وبلا مسير يسير شؤونها على ما يرام بحزم وإحكام، خالية من الضمائر الحية الغيورة، ومن التمدن والتحضر ومواصفات المدينة…

إن كتابات بعض الكتاب الغيورين الملتزمين،  تنبه المسؤولين والمسيرين والقائمين على شؤون هذه المدينة؛ إلى الانتباه لما يروج ويحدث فيها من تناقضات ومفارقات، لا تمت بصلة وثقافة المدينة ومواصفاتها، ولكن هيهات وهيهان وأيهات… وأكتفي بإعادة عنوان المقالة، وفي الإعادة إفادة، لأجل الفهم والاستزادة والاستفادة، وفي الإلحاح الإيجابي؛ ثبات وعزم ونجا ح،  وفي التكرار المجدي؛ إقرار وفلاح وصلاح وإصلاح… “أريها السهى وتريني القمر”… “أروح  أنويرك دار خوالك”..!!؟؟.

واختم بما قاله المرحوم محمود درويش: من قصيدته المشهورة “هو لا غيره”،/ “قال يحاصرني واقع لا أجيد قراءته”. أجل إن الشوارع والحدائق والأحياء ــ اليوم ــ عبارة عن مدارس مختلفة متخلفة، مشحونة بالهيبية والعبثية والقرقوبية والتواكلية، بمقررات وبرامج سريالية لا تمت بالواقع، ولا صلة لها بالعلوم الإنسانية والاجتماعية والنظرية والدقيقة والقانونية والاقتصادية والسياسية والشرعية و… وعلم التربية والأخلاق والجمال… ولا يمكن فهمها وأنت منخرط في هذه المدارس الفاشلة المشحونة بسلوكات غير سوية، المريضة بأمراض نفسية وعقلية وجسمية، لو بعث بسيغموند فرويد، لحار في أمر هذه المدارس الوهمية، ولعجز عن تفسير وتحليل سلوكياتها.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 1 تـعـلـيـقـات



جريدة أصوات سيتي الإلكترونية :
لن تسمح جريدة "أصوات سيتي" مطلقا بنشر أي مادة تخرج عن إطار الأخلاق الحميدة والآداب العامة أو تتضمن تجريحا للأشخاص والأسماء والرموز والمقدسات، أو تمس بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش، وكل استعمال للكلمات النابية والخادشة للحياء أو المحطة بكرامة الإنسان سوف لن تنشر. وتحتفظ الجريدة بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي هذه الشروط، هذا وإن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن رأي الجريدة وخطها التحريري المشار إليه في ميثاق الجريدة.


  • 1
    Lahbib Mahmoudi قال:

    ما من مقالة قرأتها لك إلا وأرشدني نحو فهم ركن من أركان هذا الواقع الشبيه بمكعبات بيكاسو، فكيف لك اليوم أن تشكو سوء قراءتك لواقع يحاصرك؟