اليوم الأحد 26 مارس 2017 - 01:28

أصيف في ربيع..؟

أخر تحديث : الثلاثاء 19 مايو 2015 - 5:50 مساءً
بقلم ذ.محمادي راسي | بتاريخ 19 مايو, 2015

 

كان الجو حارا ذلك المساء، ونحن في فصل الربيع، فصل الحركة والحيوية والعمل والإنتاج، كأن الربيع يريد أن يشيخ، أو أن يستريح بعد أن كد واجتهد، ليرى الغلات والمحاصيل في غير وقتها، فحتى زمعات الكرم لم تكمخ، وحتى التلاميذ لم تنته بعد سنتهم الدراسية وفق الفصول الأربعة، فالنتائج تكون في فصل الصيف، فصل الراحة والاستجمام والاصطياف، فهل الطبيعة تريد أن تخرج عن مسارها الطبيعي؟، فهي لا تقبل الفراغ، تعمل بنظام وفق نظام الكون.

نعم هناك عوامل مناخية تتغير وفق الفصول.. ولكن في هذا الشهر وصلت درجة الحرارة إلى حوالي أربعين درجة تحت الظل، وقد أكد مراقبو الأرصاد الجوية، (أن مثل هذه الحرارة كانت نتيجة تأثر المغرب بموجة حرارة لم يشهد المغرب مثيلا لها في هذه الفترة من شهر ماي منذ سنة 1953).

أجل صيف في ربيع، لأنني رأيت أهل المدينة يتنزهون، وبلباس صيفي رقيق شفاف، من قمصان خارجية، ومنهم من يكتفي بقمصان داخلية،  وسراويلات قصيرة، بل البعض اتجهوا إلى البحر قصد السباحة والسياحة، ولكن لا بد من الوقاية من ضربة الحر، حينما ترتفع درجة الحرارة في فصل الربيع، وهناك مثل شعبي إسباني يقول: “إلى أربعين من ماي لا تنزع السترة ” أي إلى العاشر من يونيو بالمعنى.

وبدوري كواحد من الناس، قلت في نفسي سأقوم بنزهة مشيا، للاسترواح وكسر الرتوب الساكن في قلوبنا صباح مساء، والغم الذي يعلق بنا ليل نهار، والظلم الذي طالنا ردحا من الدهر، والذي لا ننساه من طرف المنشدحين المترفين المتنعمين بأموال اليتامى وأراضيهم، نسيت الهموم بالمشي والتنقل من مكان إلى آخر، ولكن في طريقي صادفت عجائب وغرائب، هضبات من الأزبال تكدست وتراكمت، بجوارها ماء  مضيوح أسود كالقار أو الزفت، روائح عطنة قوية، لا يقدر تحملها الذين يعانون من مرض الحساسية والربو، هذه الأزبال تراكمت بسبب إضراب العمال الذين يطالبون بأجورهم وتحسين وضعيتهم، الناس لا يستطيعون المشي، يتقززون  يشمئزون  يتذمرون ويتأففون، يسدون مناخرهم بمنديل أو ورق أو كمامة كي لا تتسرب الجراثيم والمكروبات إلى صدورهم، اليوم يعرفون قيمة العامل في قطاع النظافة، وما يعانيه وهو يؤدي مهمته، فلماذا يهان؟ ولماذا لا يكرم؟ ولماذا لا ينصف؟ ونحن كما نقول دائما دولة الحق والقانون. إن الحضارة تبدأ من النظافة التي دعا إليها الإسلام بل هي الإيمان، نظافة في الجسم واللباس وفي كل شيء، احترام العامل لابد منه كيفما كان عمله، النبي صلعم قبل يد الحطاب فقال: “اليد العليا خير من اليد السفلى”.

في الحديقة الحديثة العهد، والتي أصبحت قديمة مهملة، وليست ملهمة، تصرفات تشبه سلوك الحيوانات، صادرة عن الأضوطين من تبول وجعس المتجعسين أمام المارين، وهذه تعتبر جنحة، وفيها غرامة وعقوبة، ولكن أين الحراس والمراقبون؟

إن تمدن المدينة كما يقال ويكرر يبدأ  بالمرحاض، وفي مقال بأسبوعية “الأيام” آية الله الخميني كان ينظف مرحاض منزله بنفسه، وكلما أرادت زوجته أن تمد له يد المساعدة، كان يرفض قائلا: “الأشخاص الذين يأتون لزيارتي، ويستعملون المرحاض هم ضيوفي، ومن واجبي أن أساعدك بتنظيف هذا المكان”، وهناك المنزل المرحاض يملكه ممثل الجمعية العالمية للمراحيض سيم جاي ديك في كوريا، ومن مبادئ الجمعية نشر الوعي، وكيفية استخدام المرحاض، وجمع التبرعات  لبناء المراحيض في الدول التي تحتاج إلى الصرف الصحي.

إن احترام الأرض واجب، لأنها تصبر على تحمل أطنان من الأزبال والقاذورات وكل ما هو مضر، ونحن لا نستطيع صبرا حتى شم ما ينبعث منها من كريه، بل، نختنق فيصبح التنفس صعبا، والمشي عسيرا، والتنزه مستحيلا، في الصيف والربيع وفي جميع الفصول، وكذلك البحار التي تلقى فيها النفايات العديدة التي تقتل الأسماك، فالشيء الذي فيه خير نقتله بدون تقديره ومراعاة منافعه، ومما يساهم فيما ذكر، غياب الوعي والثقافة والاحترام والنظافة والمراقبة والمحاسبة والتغريم وتطبيق القانون… هذه العوامل التي تعتبر من عوامل التقدم والرقي، يجب أن نستحضرها ونفكر فيها مع العمل بها، ليكون مجتمعنا مجتمعا سليما نظيفا محترما المدينة “شوارعها أحياءها فضاءها حدائقها مرافقها مؤسساتها سكانها…” كي نستطيع العيش في هدوء ونمشي في شوارع نقية، وممرات خاصة في حدائق جميلة بورودها التي تفوح منها روائح زكية ذكية، صيفا وشتاء وربيعا وخريفا، دون رؤية مناظر غريبة، وسلوكات مرفوضة، بداهة ومنطقا وقانونا، من بداية الربيع إلى نهاية الخريف.

ربيع 2012م

إضافـــــــــة


 

هذا الربيع ربيع 2015م/ شبيه بربيع 2012م من حيث الحرارة، وظهور بعض الخضر والفواكه قبل أوانها، والتي تفقد مذاقها ونكهتها، بسبب جنيها قبل نضجها الطبيعي، لأجل الربح واستغلال ثمنها الباهظ لندرتها وقلتها، وظهور المثلجات في بداية الربيع من “جيلاتيات وبوظات وندرمات”، دون النظر إلى صحة المواطن المستهلك الذي نفسه المشتهية والمشتاقة إلى كل ما هو لذيذ، كما يسارع البعض إلى احتلال الحديقة  ــ في احتلالها عدوان على الطبيعة وعلى كل ما هو أخضرــ رغم تنقيتها في هذه الأيام من طرف العمال التابعين لمؤسسة مارتشيكا ميد، وبعض المتطوعين من أبناء بني انصار الغيورين، وتشذيبها وتهذيبها وسقيها نهارا، والمثل الصيني يقول بالمعنى “إذا أردت السعادة الأبدية فكن بستانيا”، ولكن تحتاج إلى تنقيتها ليلا من بعض التصرفات الهوجاء، والممارسات الرعناء، فيها استفزاز وتحريض وتحرش ورغش  وتبول وتغوط، (والأمم خصصت يوما عالميا للمراحيض في 19نوفمبر 2014م من العام الماضي والذي سيبقى مستمرا كلما حل 19 نوفمبر من كل عام)، وسكر وضجيج وعصيان وتمرد وهمرجة ومراهقة وكل ما هو سلبي يتنافى والأخلاق والشريعة… !!!؟؟، واحتلال للملك العام الذي يصبح عند البعض… ملكا خاصا، في فصل الربيع قبل أن يحل فصل الصيف؟؟ ويصبح الشارع الرئيسي والحديقة مسرحين للمشاجرات والضوضاء والتشرميل والإجرام، واللهو واللعب والسمر والسهر كلما حل الليل إلى مطلع الفجر، والمسؤولون في سبات عميق كالمسبت، ليسوا في مستوى المسؤولية، فلا يستطيعون أن ينهوا عن خلق مشين، لأنهم يأتون بأكثر منه، “لا تنه عن خلق وتأتي مثله //عار عليك إذا فعلت عظيم”، لذلك المدينة تعيش دائما في الفوضى والسيبة والضعف في اتخاذ القرارات، وتصبح ضعيفة الشخصية ذليلة، كذليل يعوذ بقرملة، فالمدينة الضعيفة تنم عن ضعف أهلها، وأهل الشأن المحلي والمسؤولية، وماذا يرجى من الضعفاء والمتقاعسين والمتخاذلين..؟؟، إن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، والمواطن المثقف الواعي النشيط، خير من المواطن الجاهل المتجاهل الخامل المتخاذل، وكل شيء وارد ومباح في هذه المدينة؛ البريئة اليتيمة المنسية النائمة الشاردة، ربيعا/ صيفا /خريفا/ شتاء، وعلى مدار السنة، كأن هذه المدينة لا تتقيد بالزمان، ولا تحترم المكان، ولا تعمل بالنظام والاحترام، لتسير إلى الأمام، ولا تكترث بالقانون لتنضبط وتنتظم، لتتصف بالجدية والحزم، ولا تأبه بأي شيء، لغياب المراقبة والتغريم، إنها مدينة اللامعقول والسريالية والسوبرمانية والبوهيمية والطوباوية والديستوبيا والفوضى والتطفل والعجرفة والتيه.

وأختم هذه الإضافة بمثل إسباني بهذا المعنى: “القرد سيبقى قردا وإن لبس الحرير” وأضيف بدوري وإن لبس التبر والإبريز، هذا ينطبق على سلوكنا السلبي تجاه واجهة المدينة وفضاءاتها، وحتى في التبرز والتبول في الشوارع والحدائق؛ دليل قاطع على تأخرنا وجهلنا وهمجيتنا  وتوحشنا وو…، سلوكنا هو الذي يحكم على مدى تمدننا ومستوانا، ومستوى مدينتنا من حيث؛ التقدم والازدهار أو الـتأخر والتقهقر والاحتضار والانهيار، وإن كان فينا علماء ومثقفون وصناديد ونحارير….

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



جريدة أصوات سيتي الإلكترونية :
لن تسمح جريدة "أصوات سيتي" مطلقا بنشر أي مادة تخرج عن إطار الأخلاق الحميدة والآداب العامة أو تتضمن تجريحا للأشخاص والأسماء والرموز والمقدسات، أو تمس بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش، وكل استعمال للكلمات النابية والخادشة للحياء أو المحطة بكرامة الإنسان سوف لن تنشر. وتحتفظ الجريدة بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي هذه الشروط، هذا وإن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن رأي الجريدة وخطها التحريري المشار إليه في ميثاق الجريدة.