اليوم الخميس 19 يناير 2017 - 06:31

إنا منتظرون

أخر تحديث : الجمعة 16 أكتوبر 2015 - 6:18 مساءً
بقلم: ذ. الحسن فرحو | بتاريخ 16 أكتوبر, 2015

خفيفة على اللسان، ثقيلة على القلوب، جربها العام والخاص تجرع مرارتها الشقي والسعيد، الغني والفقير، الكبير والصغير، العليل والسليم، مساعدة حينا ومعاكسة حينا آخر… إنها باختصار كلمة: انتظار ومشتقاتها، التي بدورنا  ننتظر فك لغزها.

طال الانتظار ازدادت معه المعاناة، نفذ الجلد، تعطلت لغة الكلام وتعطلت معها وسائل الاتصال والتواصل… ليت الأمر وقف عند هذا الحد، لقد تجاوزه إلى تناسل في الأعذار والذرائع والأسباب والمبررات الواهية، إلى درجة لم يعد فيها للعذر عذر… حدث هذا في زمن الاتصال والعولمة… بدءا بالانتظار، مرورا بالاحتضار، وانتهاءا بالانتحار… لكن مهما كان الأمر فالانتظار حق من الحقوق المشروعة تنعم به جميع الكائنات الحية والميتة معا. فالموتى بدورهم ينتظرون كتابهم وحسابهم، هذا مع اختلاف في الرأي مع شاعرنا الحكيم كما جاء في قوله:

الناس صنفان موتى في حياتهم // والآخرون ببطن الأرض أحياء.

إن جميع شرائح المجتمع انتظرت، وستنتظر لا محالة ما دامت سنة الحياة تقتضي ذلك.

فالفلاح ينتظر الشتاء كي تجود عليه بغيثها، حتى يشمر على ساعديه في عملية الحرث والبذر…

والحطاب ينتظر نمو الشجرة حتى يقطعها ويسلمها بدوره إلى النجار ليصنع قاربا كان تحت الطلب، سوف يمتطيه المغضوب عليهم، لعلهم ينجون من نار الجحيم ويظفرون بجنات نعيم، إن كان هناك نعيم.

الجميع إذا في قاعة الانتظار: الموظف البسيط ينتظر بدوره وقت الدخول والخروج وما بين هذا وذاك يترقب حوالته يسأل عن حقوقه باستمرار دون أن يوازي سؤال وهجباته ذلك…

المرأة الحامل تنتظر وضع حملها، التلميذ ينتظر الامتحان الذي هو شر لا بد منه. اليتيم هو الآخر ينتظر أن يرفع عنه الحجر والوصاية، الظنين ينتظر أن يفرج عنه، والشغيلة التعليمية بدورها ما زالت تنتظر تنفيذ الاتفاقيات المتعلقة بالنظام الأساسي ونظام التعويضات والترقي والتقاعد في الوقت الذي تتنكر الحكومة لالتزاماتها وتضرب في العمق مصداقية الحوار…

أما حسن الموظف، الذي امتهن مهنة العجزة، حتى أصبح عاجزا عن الحركة، ما زال ينتظر الولوجيات لتخلصه من السلاليم الملعونة، ليسقط في سلاليم الترقي، اذ لا ترقي بالاختيار ولا اضافة درجات في الأفق القريب.

المؤسسات الحزبية والنقابية والجمعيات… دون أن ننسى الفضاء الاعلامي. كل هذه المؤسسات وغيرها لم تنج من جحيم الانتظار والانتظازية.

أما عن الأوراش الكبرى فلا تسل. بدءا بصناديق المقاصة، والتقاعد، والتكافل الاجتماعي والتعويض على المناطق النائية، يضاف الى هذا الجهوية المختمرة، انتهاء بقطاع التعليم بأمراضه المزمنة أعطابه البنيوية…

الحصيلة أن مرامي السياسة التعليمية ببلادنا غير واضحة المعالم، مما يفسر التخبط الذي تنهجه الحكومات السابقة واللاحقة معا، من خلال سيادة الارتجال في صياغة البرامج والمناهج، ونظام الامتحانات، وكذا الاعتماد على استيراد المفاهيم والطرق وحتى الرؤى، أمام هذا الوضع البئيس، على الشغيلة التعليمية أن تأخذ أنفاسها دون ملل، وتنتظر من جديد… (من 2015 الى 2030) _ مناظرة المناظرة، وميثاق الميثاق، ومستعجل المستعجل، وإصلاح الاصلاح، وهلم اصلاحا._ هذا قدرها، تحية نضالية لشغيلتنا التعليمية، كل عام أنتم في نفس العام، انتظرونا قليلا، عفوا انتظرونا كثيرا…

مقابل هذا نجد فئات أخرى ما زالت تنتظر وستظل وفية لعهدها، إلا أنها تختلف عن سابقتها في كونها كمن يطارد خيط دخان، أو كمن يجري وراء السراب ومع ذلك فهي عازمة كل العزم على الانتظار.

فالمقدسيون ينتظرون بلهفة وشوق عودة صلاح الدين ليحرر الأقصى من براثين “صهيون” في الوقت الذي تنتظر “حركة فتح” الرضا والامتنان من أمريكا عدوة الشعوب ومباركة الارهاب.

“سيزيف” هو الآخر ينتظر من الآلهة أن تعفو عنه كي يستريح من حمل الصخرة.

الشيعة بدورهم ما زالوا ينتظرون عودة المهدي المنتظر، ليخلص الانسانية من مآسيها وحروبها وأزماتها التي تتخبط فيها.

الشاعر المتنبي أيضا مات وهو ينتظر الرسالة.

العانس بدورها لم تيأس بعد من المحيض، فهي تنتظر بفارغ الصبر من يطلب يدها ومن يفتض بكارتها. العاقر هي الأخرى تحلم وتنتظر مولودا بالرغم من استحالة حملها. والغريب في الأمر أن “غودو” لم يعد منتظرا، فهو بدوره ينتظر ويجرب مرارة الانتظار… واللائحة طويلة جدا.

كما في علم الجميع، فقد انتهت الأسبوع الأخير عملية تصويت الناخبين الكبار لتشكيل مجالس البلدية والجهوية، لكن المتتبع للأجواء المشحونة التي مرت فيها عملية التشكيل، والحروب التي يشنها هذا المرشح أو ذاك من أجل الظفر بمهمة تدبير الشأن اليومي… ان درجة التمييع التي وصلت إليها بعض الأحزاب تجعل غالبية المواطنين يفقدون الثقة في العملية السياسية برمتها، وتضرب مصداقية العملية الانتخابية بشكل عام قبل مصداقية الحزب…

وفي هذا السياق، نحن ساكنة بني انصار ننتظر الكثير من مجلسنا الجديد/القديم، ونظرا لمطالبنا الكثيرة والمزمنة.. ابتداءا من ميثاق 1976 إلى يومنا هذا، وأكتفي بالإشارة إلى البنية الثقافية والرياضية، وهذه الأخيرة مغيبة بالمرة، بعد أن أصبحت دار الشباب بعلاتها طللا وبالأحرى حائط مبكى…

كان من الأجدر على مجلسنا المنتخب أن يفكر جديا، وحالا في إيجاد الوعاء العقاري المناسب _ وهذه مهمته – لتشيد عليه ثانوية تأهيلية، قد تخفض العبء على الثانوية التأهيلية الواحدة والوحيدة التي لم تعد تستوعب المتمدرسين الرسميين، وبالأحرى المفصولين بنص القانون، ثم نتساءل أين نصيب البلدة من مؤسسات التكوين المهني؟ إن لناظره قريب.

جميل جدا أن ننتظر، والأجمل أن لا يتحول الانتظار إلى احتضار أو انتحار عند بعض ضعاف النفوس المستسلمة لشهواتها… علينا اذن أن نقنن الانتظار ونضعه في ضوابط محكمة، قابلة للتنفيذ والتطبيق في شكل أدوات استفهام (متى، كيف، لماذا، أين، كم، هل… ننتظر؟)، التي تعني السؤال الذي يتطلب بدوره الجواب الشافي، المقنع، المركز، الواضح… هنا يكمن بيت القصيد.

معشر – المنتظرين والمنتظرات- الانتظار الانتظار، ومزيدا من الصبر والجلد، فلا تستعجلوا، ولا تيأسوا، ولا تقنطوا، لأن حكومتنا الموقرة ومجالسنا المنتخبة لا تحبان القانطين والقانطات، والملحاحيين والملحاحيات – أعانكم الله-  كل سنة وأنتم في نفس السنة منتظرون./.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 1 تـعـلـيـقـات



جريدة أصوات سيتي الإلكترونية :
لن تسمح جريدة "أصوات سيتي" مطلقا بنشر أي مادة تخرج عن إطار الأخلاق الحميدة والآداب العامة أو تتضمن تجريحا للأشخاص والأسماء والرموز والمقدسات، أو تمس بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش، وكل استعمال للكلمات النابية والخادشة للحياء أو المحطة بكرامة الإنسان سوف لن تنشر. وتحتفظ الجريدة بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي هذه الشروط، هذا وإن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن رأي الجريدة وخطها التحريري المشار إليه في ميثاق الجريدة.


  • 1
    عمر بيجو قال:

    مفهوم الانتظار يتأسس في المقال على البعد الأنطولوجي أو الوجودي ,لأنه يرتبط بكل لحظات الوجود الانساني ,يشكل مساحات الفراغ التي تفصل بين وضعية وجودية وأخرى,الانتظار الايجابي هو الذي يؤسسه الأمل المرتبط بامكانية تحقق المطلوب على أرض الواقع,وهو الذي يحركه طموح الانتقال من السيء الى الحسن, ومن الحسن الى الأحسن…الانتظار هو جوهر سيرورة الحياة , لكنه يشكل الزمن الرديء بامتياز,زمن شعوري مشحون بتوترات يؤسسها التقابل بين الأمل/الطموح والقلق …سيرورة شعورية شبهها”برجسون” بنهر تتدفق مياهه وتتجدد باستمرار…سيرورة كلها انتقالات مصحوبة بانتظارات ,, الانتظار هو الزمن الفاصل بين الانتقال من محطة الى أخرى, الانتظار هو الطموح بعينه , ويكون ايجابيا حينما يرتبط بامكانية التحقق,الانتظار الذي يصاحب الفعل الذي ننتظر دائما من ورائه نتيجة…الانتظار المدمر للوجود هو الذي يليه العدم والاحباط الذي تنتجه السياسات السوسيواقتصادية ببلادنا وتعيد انتاجه…هو الانتظار الذي يكون وراءه الوهم الذي تنتجه السياسة القائمة على الوعود الكاذبة, هذا الوهم الذي أصبح يساهم في الحفاظ على الاستقرار في غياب توفير الشروط الواقعية والحقيقية لذلك…