اليوم الإثنين 23 يناير 2017 - 20:52

الترحال السياسي آفة السياسة

أخر تحديث : الأربعاء 19 أغسطس 2015 - 2:53 مساءً
محمد الحموتي | بتاريخ 19 أغسطس, 2015

شهد المشهد السياسي المغربي منذ نشأة الدولة الحديثة بعد الاستقلال من فرنسا عام 1956 بما يصطلح عليه في القاموس السياسي بالترحال السياسي،و قد استعان بها النظام السياسي المغربي كنوع من السلاح لكسر شوكة الأحزاب التي كانت تعرف بالوطنية ،نظرا للتهديد التي تشكلها على النظام الملكي بالخصوص التيار اليساري، و أصبحت مع مرور زمن معظم النخب السياسية بمثابة (كراكيز) دمى خشبية تحركها الداخلية التي كانت تسمى أم الوزارات من حزب إلى آخر دون أن يشكل ذلك أي أذى نفسي أو فكري و هو نوع من تدني التربية و الأخلاق السياسية عند النخبة السياسية.

غير أن الغريب في الأمر أن حقبة حكومة التناوب التي انتظرها الكثير على أنها بارقة أمل للجمهور المغربي على اعتبار أنهم يمثلون النخبة السياسية الأكثر تمسكا بمبادئ الديمقراطية وتشبعا بالمفاهيم السياسية الصحيحة، إلا أنها لم تسلم من هذه الآفة السياسية نظرا للفشل الحكومي في تحقيق الوعود الانتخابية٬ و كرست بذلك عدم ثقة الجمهور المغربي في السياسة و الساسة و فتحت المجال أكثر للترحال السياسي و أصبحت الأحزاب السياسية التي كانت تناهض الترحال السياسي و سعت إلى تكريس إجراءات قانونية تمنع هذه الآفة٬ إلا أنها انغمست فيها و أصبحت أكثر الأحزاب لجوء ا لهذه السياسة (الترحال)٬ و الواقع الحزبي في المغرب لا يكذب هذه القضية (الاتحاد الاشتراكي ـ حزب الاستقلال ـ حزب التقدم الاشتراكي).

يقال أن العرب تازيخيا عرفوا بالترحال٬ فهم مجرد مجموعة من القبائل لم تعرف الاستقرار إلا في العقود الأخيرة و الترحال كانت تعتبر نمط الحياة عند البدو العرب بحثا عن الماء و الكلأ٬ و لم يعرفوا الاستقرار إلا بعد اكتشاف البترول في شبه الجزيرة العربية٬ و هذا ما أكد عليه المؤرخ العظيم ابن خلدون عندما أعتبر أن العرب (شبه الجزيرة) لم يعرفوا العمران نظرا للتعامل السلبي مع الحجارة و بالتالي الاستقرار و تأسيس المدن التي تشكل الحضارة لان البداوة و الترحال كانت السمة الغالبة على طباع العرب.

و من تطبع على شيء فمن الصعب نسيانه و هذا ما يفسر استمرار تمسك العرب لمفهوم الترحال السياسي و تكريسه في مجال السياسة يستعينون به في كل الانتخابات بغرض تحقيق أغراض شخصية لا تمت بصلة بالبرامج الاقتصادية و  الاجتماعية التي تخدم الأمة٬ فإذا كان البدو العرب يسعون في ترحالهم بحثا عن الماء و القوت فإن العرب في ترحالهم السياسي يبحثون عن منافع شخصية لا أقل و لا أكثر.

والمغرب باعتباره ينتمي إلى المنطقة الجغرافية التي تعرف بالشرق الأوسط و شمال إفريقيا٬ فإنه لم ينجو من هذا التأثير و تظهر جليا هذه الظاهرة السياسية في مواسم الانتخابات سواء الجماعية أو البرلمانية التي تعتبر حقا عرسا سياسيا٬ إذ يسعى كل سياسي إلى أن يلبس لون حزبي بغض النظر عن اديولوجية الحزب أو برامجه الانتخابية أو مصلحة الأمة…المهم أن تزف له العروس بغرض تحقيق مآربه الشخصية٬ و قد يغير العروس إذ تأكد له بعد ذلك أنها تتعارض وما يصبو إليه نفس الوجوه تغير في الأحزاب و كأنها جوارب قليلة هي النخب السياسية و الحزبية و المحلية التي تتشبث بقناعاتها السياسية و الحزبية و لا تنجر وراء (موضى) الترحال الحزبي و السياسي٬ و هذا ما شتت رغبة الشباب إلى التحزب و عزوفهم عن السياسة لأنها ليست من الأخلاق و إذا انعدمت الأخلاق فهذا يعني الفساد وبالتالي تدمير ما تبقى من رغبة الشباب في المشاركة في تسيير الشأن العام من خلال التأطير داخل الأحزاب٬ و هذا ما يعكس ضعف المشاركة في الانتخابات و نحن على أبواب الانتخابات يمكننا ملاحظة هذا التمييع في السياسة دون أن يثير ذلك أصحاب السياسة في ضمائرهم فالذي كان في فريق الأسد ينتقل إلى الحمامة أو صاحب الميزان يتحول إلى سنبلة دون مركب نقص أو حرج أخلاقي.

والفصل الخامس من قانون الأحزاب كان واضحا إذ ينص أنه لا يمكن لشخص يتوفر على انتداب انتخابي ساري المفعول في إحدى غرفتي البرلمان تم انتخابه فيها بتزكية من حزب سياسي قائم ان ينخرط في حزب سياسي آخر إلا بعد انتهاء مدة انتدابه

إلا أن هذا الإجراء لم يكن ذا جدوى  في الواقع السياسي٬لأنه لم يكن ذات فعالية للقضاء على هذه الظاهرة٬ لان تفعيل القوانين غير كافي للقضاء على فعل الترحال السياسي ويبقى قضية التربية والأخلاق واردة بقوة لهذا أضم صوتي إلى من أكد أن الترحال هو نوع من تدني التربية و الأخلاق السياسية… وينبغي على المجتمع والدولة تربية الناشئة على الأخلاق السياسية بدأ من الأقسام الأولى للدراسة و على الأحزاب أن يقوم بالدور المنوط بها و هو تأطير المجتمع و تكوين اطر سياسية تحترم الحزب وتحب الوطن ويكون غرضها المصلحة العامة قبل الشخصية.

بمعنى آخر على الأحزاب أن تكون مدارس سياسية لتكوين الشباب سياسيا ومنحها الفرص للقيادة والخدمة حتى لا تكون معطلة.

والملاحظ للشأن السياسي المغربي أن معظم الزعماء السياسيين تجاوزوا عتبة العقد السادس دون أن تكون هناك رغبة في تسليم مشعل القيادة للشباب و هذا ما يدفع بالشباب إلى العزوف عن السياسة أو الترحال السياسي من حزب إلى آخر علّه يجيد ضالته٬ مما يسيء إلى السياسة و الأحزاب السياسية.

ويبقى أن ظاهرة الترحال السياسي هي ظاهرة عامة بالنسبة لشمال إفريقيا والشرق الأوسط٬ إلا أن لكل قُطر خصوصية وللمغرب خصوصية تجعل هذه الظاهرة تكرس بقوة في المشهد السياسي المغربي.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



جريدة أصوات سيتي الإلكترونية :
لن تسمح جريدة "أصوات سيتي" مطلقا بنشر أي مادة تخرج عن إطار الأخلاق الحميدة والآداب العامة أو تتضمن تجريحا للأشخاص والأسماء والرموز والمقدسات، أو تمس بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش، وكل استعمال للكلمات النابية والخادشة للحياء أو المحطة بكرامة الإنسان سوف لن تنشر. وتحتفظ الجريدة بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي هذه الشروط، هذا وإن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن رأي الجريدة وخطها التحريري المشار إليه في ميثاق الجريدة.