اليوم الجمعة 20 يناير 2017 - 05:46

اُتْرُكُوا بَني أنصارَ وحِيداً    

أخر تحديث : الجمعة 8 مايو 2015 - 4:12 مساءً
اسماعيل العثماني* | بتاريخ 8 مايو, 2015

اُتْرُكُوا بَني أنصارَ وحِيداً 

اسماعيل العثماني*

 

 

1

اُترُكُوا بَني أنصارَ وَحيداً:

اُترُكوا الضَّمائِرَ الهامِدَة

تَرتَعِدُ مِنَ الدَّولةِ العَميقة

فتَتزَلَّفُ لظِلالِ السُلطَة

وتُعَشِشُ بوُكُناتِها العاجِية؛

تُنافِقُ بالنِضالِ والمُواطَنة

وتَقضي مَصالِحَها الذاتِية

بهذا الاِسمِ أوْ تِلكَ الصِفة،

تارِكةً الشّأنَ المَحَلِيَ بِيَدِ

الأُمِيّينَ وعُبّادِ الاِنتهازيّة

الذين لعِبُوا وَتلاعَبُوا

بِمَصيرِ البلادِ والعِبادِ

فَمَسَخوا هُويّةَ هذهِ… المَدينة.

2

اُترُكوا المَظاهِرَ المُشِينة

والفَوْضى العارِمَة

والعاداتِ الدَّخِيلة

وَالبِناياتِ العَشوائِيّة

والبِنْياتِ المَغشُوشة

والمُخَدِراتِ النَّوعِيّة

والجَرائمَ المَوصُوفة

وَوُجوهَ النَّحْسِ والغَيِ

والوُصُوليةِ التَّعِيسة

وعِوَجَ أشْباهِ السَّاسَةِ

ومُناوَراتِهمُ الخَسِيسَة

تَتَفشَّى وتَجتاحُ كافّةَ

أرْجاءِ هذِهِ… المَدينة.

3

اُترُكُوا بُوزَبَّالْ الماكِرْ

وشَقيقَتَهُ الماكِرةَ الذَّلِيلة

يَأتِيانِ مِنَ الرُبُوعِ البَعيدة

وأوْكارِ الفَسادِ والجَريمة

ليَستوْطِنا هذِه… المَدينة

بِكَرَمٍ مِنْ جِهاتٍ مَعْلومَة

تُوَفِرُ لهُما شُروطَ الإقامة،

مِنْ شَهادةِ سُكنى وحَضانة،

بَلْ وحِمايةٍ وسِتْرٍ وحَصانة:

هُوَ نَصّابٌ أوْ هِترٌ أوْ أفَّاكٌ

وَهِيَ فاسِقةٌ أوْ مُومِسَة،

يَسْترزِقانِ تَمَلُقاً ونَصْباً

أوْ يَبْغِيانِ بالسَطوِ والرَّذيلة.

4

اُترُكُوا مُراقِبَ الحُدُودِ

أوِ المِيناءِ ومُمثِلَ الإدارة

يَخلُدُ في مَنْصِبِهِ المِعطاءِ

بينَ أحْضانِ هذِهِ… المَدينة؛

تراهُ بَسيطَ الهِنْدامِ والهَيئة

ثم تراهُ مُتسَيِداً غليظَ البِنية

بَعدَ عامٍ ونَيْفٍ في الخِدمة؛

هُوَ عَينُ الدَّولةِ وجَابِيها

وبُعْبُعُها، وزَوجَتُهُ الرَّفيقة،

يَغتَنِيان في مُدّةٍ قصيرة:

يَأكُلانِ الغِلّة ويَسُبّانِ المِلّة

ويُغْدِقانِ مِنْ أمْوالِ الغَيْرِ

على العائِلةِ الصَّغيرةِ والكبيرة.

5

اُترُكوا السُوقَ المُنتَظَرة

لِسِنينَ وسِنينَ طويلة

في قلبِ هذِهِ… المَدينة

مِرحاضاً يَنفُثُ القذَارَة،

خِرْبَةً شاهِدةً على جَشَعِ

لُصُوصِ الأمْوالِ العامَّة

الذين نَهَبُوها أوْ بَدَّدُوها

بِوُجُوهٍ عاريةٍ مَكْشُوفة

وشِفاهٍ تَنطِقُ بالشَفافِية

والعَدْلِ والديمُوقراطية،

واثِقينَ مِنْ صَمْتِ الأَهالي

وتُجَّارٍ يَنتظِرُون بِلا فائِدة

مَجْلِساً مَحْكُوماً بالمِزاجِيّة.

6

اُترُكُوا الحَديقةَ الشَّهيرة

تُؤدّي دَوْرَ الحَظيرة،

تَزُورُها البِغالُ بالنَّهارِ

والكِلابُ المَهجُورة،

ويَحْتلُها أربابُ المَقاهي

في الأيامِ غيرِ المَطِيرة

والعَرباتُ المَجرُورَة

بِأُكْلاتِها الخطيرة،

ويَجلِسُ فيها مَساءً،

وحتَّى مَطلعِ الفجْرِ،

خَفافيشُ الدُّجى والعَارِ

في مَنْظَرٍ لا يُشَرِفُ

حَديقةً وَلا عَشِيرة.

7

اُترُكوا شاطِئَ مِيامِي،

مَفخَرَةَ هذِه… المَدينة

بمِياهِهِ ورِمالِهِ الذَّهَبِيّةِ

في عَهْدِ مَا قَبْلَ المَهزَلة،

فَضاءً للأَكْواخِ والخُردَة،

مَلجَأً آمِناً للجُناةِ والغُرَباءِ،

قاعةَ انتظارٍ لِأجْلِ الهِجْرةِ،

فُندُقاً رَحْباً يَنامُ ويَقُومُ على

الخَمْرِ والمُجُونِ والمَحْظُورِ،

رِواقاً حَصِيناً لِلزَّيْغ والعَرْبَدة

فَوقَ مِلكٍ بَحْريٍ عُمُومِيٍ

يَحْتلُهُ هؤُلاءِ المَنبُوذُون عُنْوَةً،

بالرَّشوَةِ والعُنفِ والهَمَجِيّة.

8

اُترُكوا غابةَ غُورُوغُو،

الشاهِدةَ على الرُّوحِ الوَطنية

للمُقاوَمةِ الرّيفِيةِ المِغْوارَة

ضِدَّ الجُيوش الاِستعمارية،

تَحتَرقُ بِلهَبِ النّيرانِ تارة

وتارةً بِقصَصِ اللاجئينَ

السُودِ في انتِظارِ الهِجرة،

ودَائِماً بِالأَسَى والحَسْرةِ

على عاقِبةِ هذهِ… المَدينة:

بلدةٌ بِأكمَلِها لُعْبةً بِأيادِي

رَهْطٍ مِنَ الهِمَمِ المُطَنْطِنَة

في مَشْهَدٍ أليمٍ تُعايِنُهُ مُجْبَرَةً

غابةُ غُورُوغُو الشّامِخة.

9

اُترُكُوا الكِلابَ الشَّارِدة

تَضلُّ في هذه… المَدينة

مِثلَما ترَكْتُمُ المُتسَكِعِين

والمُدْمِنينَ وحُشُودَ الحَثالة؛

اُترُكوا الكِلابَ وتَعَقَّبُوا

اللُصوصَ إنِ اسْتَطعْتُم

بَدلَ أنْ تَقتُلوها فَجْراً

بَعدَ إصرارٍ وترَصُّدٍ،

رَمْياً بِرَصاصِ البُندُقِية،

وتأخُذُوا صُوَراً تِذكاريّة

لكُمْ وإِنْجازاتِكُمُ البُطُوليّة

ثم تَنامُوا مِلئَ جُفونِكُمْ

وتَحْلُموا أَحْلامَكُم المَثقُوبَة.

10

اُترُكوا عِصابَاتِ المُخدّرات

المُنحَدِرة مِنْ هذِهِ… المَدينة

تَستثمِرُ في المَقاهي والبُنيانْ

لِغَسْلِ دَراهِمِ العُمْلةِ السَّهْلة

وتَتَبَاهى بِالعَيش في بَحبُوحَة؛

تُورِثُ أبْناءَها الجَهْلَ والدّلَالْ

وَتُورِثُ أبناءَ الغَيْرِ الإِدْمَانْ؛

تَشتَري الهَيبَة والجاهَ والوَقارْ

مِثلمَا تَشتري الذِمَمَ والعَقارْ

وتُنَظِمُ الأعْراسَ والحَفَلاتْ

بِحُضُورِ الوُجَهاءِ والأَعْيانْ

فتُعْطِي أبْشَعَ مِثالٍ لِلعائِلاتْ

عَنِ التَّربيةِ وكَسْبِ الثَّرَواتْ.

11

اُترُكُوا فَوْضَى الطريقِ

والمُرُورِ جاريةً كالحَريرة،

ساخِنةً تُحْرِقُ اللِسانَ الحيَّ

والعَينَ والأرواحَ البَريئة

وَهْيَ تَقُضُّ مَضْجَعَ السَّاكِنة

الكَبيرةِ مِنْها والصغيرة؛

تُهَدّدُ حَياتَهُمْ ليْلَ نَهارٍ

وتُزعِجُهُمْ بِلا هَوادَة

سَيَّاراتُ المُخْتالِينَ البَاغِين

ودَرّاجاتُ المُتَهوّرِين النّاريِّة

ودَبّاباتُ المُهَرِبِين الهَريئة

المُصْطَفَّةِ يَومِيّاً بالعَشَراتِ

في غِيابِ أيِ نَهْنَهَةٍ أمْنِيّة.

12

اُترُكوا قالِيتا واجِهةً لِلسّيِبَة،

حُدوداً لِاختِلالٍ بِلا حُدُودْ،

كابُوساً مِنَ العِبادِ والعَرَباتْ

في طوابيرَ داخِلةٍ أوْ خارِجة؛

اُتركُوها مَاخُوراً لِلعاهِراتْ،

مَأوىً مَأمُوناً للضِباعِ البَشَرية،

قِبْلةً لِمَافْيا التّزويرِ والتّهْجير،

فَضاءً للهَرَجِ والجُرْمِ والبَالي،

جُوطِيّة على مَدار ِالسَّاعة

يَزُورُها الفُضُوليُّ ومَنْ لا يُبالي؛

اُتْرُكوا قالِيتا تَستنكِرُ وتَصرُخُ:

إِنّي أتَّهِمُ المَجلِسَ وأعوانَ الدَّولة

بِالتَّواطُؤِ لِتشْويهِ هذِهِ… المَدينة.

13

اُترُكُوا بَني أنصارَ وَحيداً،

نُقطةً تافِهةً على الخَريطة،

بِلا أمْنٍ ولا نِظامٍ ولا مُواطَنة،

بِلا مَجْلسٍ بَلدِيٍ ولا شَذا سَاسَة،

بِلا مُجتمَعٍ مَدَنِيٍ ولا نُخبةٍ جَلِيّة،

بِلا بِنْياتٍ ولا تَنمِيةٍ ولا صِناعة،

بِلا مُستشفىً ولا وِقايةٍ مَدَنِيّة،

بِلا نادٍ ولا حَديقةٍ ولا سِياحة،

بِلا أخلاقٍ ولا جَمالٍ ولا نَظافة،

بِلا فِكرٍ ولا إبداعٍ ولا مَكتبة.

اُتْرُكُوا بَني أنصارَ وَحيداً:

حاضِرُه مُرٌّ وغَدُهُ أمَرُّ بِالمَرّة،

بِلا أمَلٍ، وَكَأنَّمَا وافَتْهُ المَنِيّة.

 

<<<<<<<<<<<<<

*أكاديمي ومترجم مِن بني أنصار، هذه البلدة الريفية الواقعةُ على الحدود مع مليلية والتابعةُ تُرابياً لإقليم الناظور، وذاتُ المؤهلاتِ الطبيعية الكبرى، التي همّشتها الدولةُ منذ الاستقلال واستغلها أعوانُها لتحقيق مصالِحهم الذاتية ونهبَها أو باعَها أعيانٌ وقادةٌ أمِيُّون أنانِيُّون فباتتِ اليومَ فضاءً مُدوِخاً من الناحية السياسية ومَمسُوخاً من الناحية العُمرانية ومَشرُوخاً من الناحية الاجتماعية ومَفسُوخاً من الناحية الأخلاقية، ما يَندَى له الجَبينُ ويَحزَنُ القلبُ وتَدمَعُ العَينُ، ولا حياةَ لِمَن تُنادي.
أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 3 تـعـلـيـقـات



جريدة أصوات سيتي الإلكترونية :
لن تسمح جريدة "أصوات سيتي" مطلقا بنشر أي مادة تخرج عن إطار الأخلاق الحميدة والآداب العامة أو تتضمن تجريحا للأشخاص والأسماء والرموز والمقدسات، أو تمس بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش، وكل استعمال للكلمات النابية والخادشة للحياء أو المحطة بكرامة الإنسان سوف لن تنشر. وتحتفظ الجريدة بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي هذه الشروط، هذا وإن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن رأي الجريدة وخطها التحريري المشار إليه في ميثاق الجريدة.


  • 1
    imis ntmazgha قال:

    الحق الحق صح لسانك استاذنا الفاضل كفّيت ووفّيت

  • 2
    Jaha Arriad قال:

    بالتسيير والسهرعلى شؤونها من اسفل الهرم الى اقصى علوه, حسرة!
    بالتسيير والسهرعلى شؤونها من اسفل الهرم الى اقصى علوه, حسرة!
    بالتسيير والسهرعلى شؤونها من اسفل الهرم الى اقصى علوه, حسرة!

  • 3
    Jaha Arriad قال:

    انه الواقع و وصف دقيق و آلي, كانه صورة ذات الثلاثة ابعاد مع الحركة قد لا تعجب الدولة المركزية و اعوانها
    المنافقين لكن الصورة تعبر عن نفسها بنفسها عن الفضاعة و الكارثية التي تسبب فيها كل من تربطه ادنى راببطة
    بالتسيير والسهرعلى شؤونها من اسفل الهرم الى اقصى علوه, حسرة!