اليوم الجمعة 20 يناير 2017 - 05:45

بمناسبة اليوم العالمي للبيئة

أخر تحديث : الأربعاء 8 يونيو 2016 - 12:16 مساءً
بقلم: ذ.محمادي راسي | بتاريخ 8 يونيو, 2016

باء يبوء بوءا إليه: رجع، باء بواء: قتل، بؤ به: أي كن ممن يقتل به، ومنه قول المهلهل لجبير: بؤ بشسع نعل كليب، والشسع: زمام النعل بين الأصبع الوسطى وما يليها. بوأ له منزلا: هيأ له وأنزله فيه، أباء بالمكان: أقام. تبوأ المكان وبه: أقام به، استباء المنزل: اتخذه مقاما له. الباءة والبيئة والمبوأ والمباءة: المنزل، المحيط، الحالة.

البيئة بكسر الباء ولا وجه لفتحها المنزل ومثلها الباءة والمباءة والبيئة أيضا الحالة التي يكون عليها، يقال هو حسن. البيئة أي الحالة.

والبيئة في الإسبانية: ambiente المحيط، الهواء الجويِ وcercania: القرب، والجوار. وmedio الوسط وفي الفرنسية: milieµ  مكونة من  mi وlieµ من اللاتينية mediµs وlocµs وتعني المكان أوالوسط أو الفضاء أو الهواء الذي نعيش فيه….الخ. والبيولوجية تهتم بالحياة، وهي كلمة اغريقية مكونة من bio وتعني الحياة وlogos علم، أي علم الحياة. وفي ميدان العلوم البيولوجية، لأول مرة أدخلت كلمة ايكولوجيا، وهي كلمة إغريقية مكونة من oikos وتعني المنزل، وlogos علم وتهتم بدراسة الأحياء مع المحيط الطبيعي، وهي جزء من البيولوجية. وهذه الكلمة أدخلها عالم الأحياء الألماني ارنست هيكل سنة 1869، بينما لم يستخدم المدخل الإيكولوجي أو النهج الإيكولوجي في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية، إلا في أوائل القرن العشرين.

وفي تعريف البيئة يرى البعض أنها هي الطبقة الرقيقة من كوكب الأرض التي تشمل سطح هذا الكوكب، وتمتد إلى أمتار قليلة تحت هذا السطح، كما تشمل الغلاف الجوي المحيط بهذا الكوكب إلى ارتفاع يبلغ عشرات الكيلومترات، أطلق عليه العلماء بالاتفاق اسم الغلاف الحيوي.

والبيئة ما يحيط بالإنسان من هواء وأرض وماء، وما في هذه الأرض وما في السماء وما بينهما. والماء والهواء عنصران هامان، تتوقف عليهما حياة الكائنات الحية: الإنسان، الحيوان والنبات. وقال تعالى [وجعلنا من الماء كل شيء حي] بدونه لا يمكن أن تكون الحياة وهو أهم من الأكسجين، ويطلق عليه غاز الحياة، ويعتقد العلماء أن الحياة على سطح الأرض، إنما نشأت أصلا في البحار القديمة أو الأولية، قبل أن يكون هناك أي أثر للأكسجين في الغلاف الجوي. والله خلق كل شيء فقدره تقديرا، وكل شيء خلقه بقدر وتوازن، الحياة والموت، الحرارة والبرودة، النار والماء، الليل والنهار، الظلام والنور….الخ وكل ما في هذا الكون سخره الله للإنسان

عليه احترامه وتقديره ورعايته، والمحافظة عليه لكي لا يذهب التوازن.

أقلام كثيرة وألسنة مختلفة نبهت إلى الأخطار المحدقة بالطبيعة والبيئة، والإبقاء على ما يسمى بالتوازن الإيكولوجي، ولجأت بعض الدول إلى عقد مؤتمرات أهمها، مؤتمر ستوكهولم 1972. وبريطانيا خصصت وزارة للبيئة سنة 1970 بالإضافة إلى تخصيص بعض الدول البنك العالمي للمحافظة على البيئة، وحركة  أنصار المدافعين عن الطبيعة، وفي أمريكا نشأت حركة البيئة يطلق عليها [يوم الأرض] في سنة 1970 لإنقاذ البيئة من التلوث، وحركة الصراع من أجل البيئة، وهي حركة علمية واجتماعية وتكنولوجية وسياسية معا، تقف ضد عوامل التخريب والإبادة، وتدافع عن البيئة… وتخصيص اليوم العالمي للبيئة، والدول  العربية عقدت مؤتمرا للمحافظة على الماء في 1954، لذلك بعضها سارعت إلى إنشاء السدود لمواجهة الجفاف، وخزن الماء وحفظه، والمغرب كان من الأوائل في بناء السدود والاهتمام بها، وما زال في مسيرته في بنائها إلى يومنا هذا، هذا دليل قاطع على أن البيئة لها قيمة كبرى في حياة الإنسان وغيره من الأحياء، لأن الإنسان يعادي الطبيعة فيها خلق، وفيها يعيش، ويحاول تغييرها – بالإضافة إلى عوامل التعرية الهوائية والمائية والمناخية والزلازل- ويستغل مواردها الطبيعية التي تسير في الانقراض. علاوة على التلوث فهناك أنهار وبحار ومحيطات ملوثة. والجو لم يعد صافيا والهواء نقيا من جراء دخان المعامل ورمادها، وما يخرج من أفواه البراكين من حمم تخنق التنفس، بل تشل حركة الطيران أحيانا، كما حدث في السنة الماضية وخلال الشهر المنصرم. إلى جانب النفايات والمخلفات الإشعاعية… والتلوث الضوضائي. ومن مشاكل البيئة تزايد عدد سكان العالم. فالإنسان أصبح سيدا على الأرض ولكنه لا يعرف حسن التصرف والتدبير المحكم والقيادة الحكيمة، فتقوم الحروب، إما بوازع اقتصادي أو سياسي أو ايديولوجي أو عرقي  أو مذهبي…إلخ. وهذه الحروب ذميمة ونتائجها وخيمة:الدمار والخراب، وقتل الأبرياء، وتشويه البيئة، ونقض البنيان والعمران، وطمس الحضارة والتراث، وما زالت بعض الدول تتسابق نحو التسلح النووي، ولم تتعظ بحادثة تشرنوبيل، ولا بما حدث في اليابان أخيرا، وبماذا سيحدث مستقبلا… ويرى بعض الدارسين للمستقبل،احتمال وقوع كارثة ايكولوجية مدمرة حوالي سنة 2040، وما حدث للأوزون سينتج عنه ارتفاع منسوب مياه البحر، مما سيؤدي إلى اختفاء بعض المدن في البحر الأبيض المتوسط في 2050، والله أعلم ولا علم لنا بالغيب، وزيادة على هذا هناك البيئة التكنولوجية فهي غير متوازنة، فالدول الاستعمارية سيطرت وتسيطر على ثروات الدول النامية. وهذا التقدم التكنولوجي أفضى ببعض الدول إلى عيش رفل، ومكانة باذخة، وسيادة مترفة، وأخرى تعاني وتقاسي وتكابد وتتخبط في أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية، رغم أنها تتوفر على  ثروة فلاحية وسمكية ونفطية وطاقية …

الإنسان هو جزء من الأرض، لأنه خلق فيها وسيرجع إلي ترابها، والحتمية الجغرافيه تفرض عليه سلوكات معينة: من نشاط فلاحي واقتصادي واجتماعي …ولكن كما ذكر سالفا يعمل على تدمير الأرض من جراء طموحاته ومغامراته.

فالإنسان كما يقول روبرت موريسون: [هو أنجح الكائنات في استعمار الأرض واستخدامها واستغلال مواردها، ولكنه في الوقت ذاته أكثر الكائنات إفسادا للأرض وتلويثا لها].

إن الإنسان اعتدى ويعتدي على البيئة بسوء تصرفه وفعلا لوث التربة والمياه والهواء وطبقات الجو العليا: لوث الأرض بأسمدة مضادة للأعشاب والحشرات… لوث الماء بمخلفات المجاري الصناعية… تنتهي إلى الأنهار والبحار مما يؤدي إلى موت الحيتان… لوث الهواء بعوادم السيارات والطائرات وبدخان المصانع وبالغازات السامة… ولوث غلاف الأوزون الذي يحمي الحياة على الأرض حيث يمتص الإشعاعات الكونية المهلكة فلا تصل إلى سطح الأرض…الخ. وهناك ملوثات لا يسببها  الإنسان منها: كلوريد الأيدروجين المتصاعد من البراكين، وأكسيد النتروجين الناتج عن التفريغ الكهربائي من السحب الرعدية. والتلوث تنتج عنه أمراض قد تكون مزمنة، كالربو والالتهاب الرئوي، والسرطان، والميثيموجلوبينيميا… ولقد انتبه الإنسان إلى مخاطر المفاعلات النووية والمحطات الذرية… ونفاد وندرة الطاقة، فكر ويفكر اليوم في الطاقة النظيفة كالطاقة الشمسية والريحية…إلخ لمواجهة أزمة الطاقة ولمحاربة التلوث الناجم عن الطاقة النووية والذرية…

الإنسان مرتبط بالبيئة منذ أن وجد على الأرض، فقيل من الناحية الأدبية، الأديب ابن بيئته،لأنه يصف محيطه ـــ نظما أو نثراــــ وما يدور فيه وحوله، وبدوري أقول :كل من  الرجل والمرأة والطفل والشابة والشاب ابن بيئته ووسطه، فماذا عن بيئة بني أنصار؟ وفي أيامنا هذه نرى إقبالا لا مثيل له من حيث النظافة والغرس وإصلاح الحديقة والطلي والصبغ ونصب أعمدة كهربائية، ونرجو أن يستمر هذا العمل على الدوام كي تظهر مدينتنا بمظهرها اللائق لأنها كما يقولون فيها: إنها باب أوروبا.

مدينة بني أنصار حباها الله بيئة جميلة ــ ولكننا نعمل بدون استثناء على إفسادها وتلويثها ـــ البحر ونقصد به الشاطئ الفارع، والبحيرة الصالحة للتزحلق المائي، وهي من أجود البحيرات في العالم، والجبال وحينما نقول الجبال يتبادر إلى أذهاننا جبل كوركو أو تزوت أوأذرار أن سيدي أحمد الحاج، وما يحيط به من هضاب تشتمل على غابات وحيوانات وعيون وآبار وأودية، هذا الجبل وقف صامدا في وجه الطامعين، وهو تاريخ وتراث بمآثره لأن بعض البقايا تدل على ذلك.

إنسان بني أنصار يتفاعل مع بيئته ويستغلها اقتصاديا وفلاحيا وسياحيا. فما هو واجبه نحو بيئته؟، واجبه هو المحافظة عليها لأنه منها يقتات وفيها يعيش، ويستحم ويستجم وقت الصيف، ويتجول في شوارعها ربيعا وصيفا ليل نهار. فإهمالها هو قتلها… ومن قتل البيئة فكأنما قتل الحياة بأكملها… فما أحوال أحياء وشوارع بني أنصار؟ إن الإهمال باد وواضح من طرف الجميع: من المسؤولين والساكنة… فالمسؤول عليه المراقبة وتغريم من لوث البيئة ولو برمي ورقة في الشارع. كما تفعل الدول المتحضرة… والمواطن عليه احترام كل ما يتعلق بمحيطه، من مسكنه إلى حيه فالشوارع… واحترام الغابة واجب إنساني ووطني وبيئي، وقليلا ما تتعرض للحريق بسبب الحرارة، ومن تعمد ذلك يجب أن يعاقب وفق ما ينص عليه القانون، لأن الغابة هي الرئة التي تصفي الأكسجين، وملجأ لمختلف الحيوانات تحفظها من الانقراض.

نعم لتنقية الشاطئ للترفيه، وإثبات الأعمدة الكهربائية للقضاء على الظلام الدامس والسرقة ليلا، ولكن هذه الأعمدة كثيرا ما تتعرض لأعطاب وكسر مصابيحها من طرف منعدمي الضمير، لا غيرة لهم عن مدينتهم، فمثل هؤلاء يستحقون التغريم… نعم لغرس الأشجار بالحديقة، والشجرة محترمة لا يجب جدع جذعها والتبول على ساقها لما لها من فوائد جمة: تصفي الأكسجين، نتفيأ بظلالها، نستدفئ بحطبها، نقتات بثمارها، ومن خشبها يصنع النجار الأدوات المنزلية. ولا ننسى فائدة شجرة الزيتون وقد ورد ذكرها في القرآن، والشجرة تعطي منظرا جميلا للحديقة… ولكن يجب رعايتها بالسقي والتهذيب والتشذيب والتنقية من الطفيليات، لأن في السنتين الماضيتين غرست أشجار في نفس الحديقة، ولكنها ماتت كالنخيل وغيرها… بسبب الإهمال، وأشجار الموز المغروسة في الأيام الأخيرة، تحتاج إلى الماء أكثر من غيرها، الفسقيتان نضبتا ولادة ونشأة، حوضهما حشي أحجارا ربما تتخللها اليرابيع والجعلان والحراذين والزيزان والحرابي والرتيلاوات والعقارب، أما النواميس فتزداد صيفا و لا تستطيع التجول في الشوارع ليلا، ولا أن تصلي التراويح في باحة المسجد خلال شهر رمضان المعظم، أما الفسقية الثالثة المتواجدة بمدار ملتقى الطرق، فمياهها  موسمية… وهي معطلة عن بث الماء، ومعطبة  الأضواء، مياهها آسنة حتى أصبحت وأضحت مأوى للضفادع  ومسبحا لبعض الكلاب الضالة… إننا قاطبة نزهو ونتطاول ونفتخر بما لدينا، وكل قوم بما لديهم فرحون، وكل فتاة بأبيها معجبة… ونقول كيت وكيت… وفعلنا ذيت وذيت… وبيئتنا ملوثة، الطرق محفرة، الحدائق ممحلة، أعشابها مصفرة، أشجارها تموت واقفة، لا أحد يرحمها بالسقي والاحترام والرعاية، الشوارع مليئة بالأزبال والنقع والزجاج المكسور، روائح كريهة مزكمة للأنوف… ويلاحظ أن ثلث الحديقة تقريبا لم يشمله الإصلاح، ففي هذا نوع من التهميش والإجحاف… إننا جميعا في حاجة إلى التربية الجمالية والمحافظة على مدينتنا وبيئتها، وعلى مسؤولي الشأن المحلى مسؤولية عظمى، فهم الذين يتحملون ما يحدث لهذه البيئة والمدينة وما يحيط بهما… فلابد من رعاية ومراقبة… على البلدية أن تعين أشخاصا للمراقبة لتطبيق الغرامة والعقوبة على كل من قام بمخالفة تتعلق بوضع الأزبال في غير موضعها، وكسر قنينات زجاجية، وتشويه منظر الحديقة دون ميز ولا فرق بين هذا وذاك… والإسلام يلح على احترام الطريق والأشجار والقبلة… ويحث في العديد من الآيات على المحا فظة على الماء الذي هو رزق أنزله الله من السماء… وعدم الإسراف في استعماله وتبذيره وإفساده بنجاسة، كما حثنا على النظافة الجسدية وما يحيط بالإنسان، والنظافة المعنوية الأخلاقية… وختاما إن الحديث عن البيئة أمر شائك، فهي أسبق من الإنسان، وتاريخ الإنسان يكنفه الغموض والتأويل والتقدير والافتراض… والإنسان يؤثر في البيئة، ويتأثر بها من خلال التنفس، يتنفس الأكسجين، ويزفر ثاني أكسيد الكربون، بالإضافة إلى التأثير الغريزي في البيئة وهو محسوب ومتوازن لا ضرر من ورائه.

وتصادفك أحيانا بعض الأكياس من البلاستيك كتب عليها بالإسبانية [الترجمة]: [ استعمل هذا الكيس عدة مرات على قدر الإمكان، ثم ضعه في الحاوية الخاصة بالبلاستيك، لأن إهماله في محيطك، صدمة ومضرة للمحيط وللبيئة]، هذا مثل بسيط لأجل تذكير الإنسان بالحفاظ على البيئة، والتربية لها دور في المحافظة عليها، لذا فبعض المربين فكروا في إدخال البيئة كمادة للتدريس لأن الفرد جزء من البيئة… وأختم بقول الأستاذ ليوبولد وهو من أكبر المهتمين بالمشكلات الإيكولوجية: [إننا نحقق فكرة أخلاقية المحافظة على الأرض حين ننظر إليها على أنها مجتمع ننتمي إليه، وبذلك يمكننا أن نستخدم الأرض بطريقة تنم عن الحب والاحترام… إلى أن يقول: [إن النظرة إلى الأرض على أنها مجتمع هي الفكرة الأساسية في الإيكولوجيا، كما أن حب الأرض واحترامها هو امتداد طبيعي للأخلاق الإنسانية. ولقد أدرك الإنسان منذ زمن بعيد أن الأرض قادرة على أن تنبت محصولا ثقافيا وحضاريا خليقا بالاحترام، ولكن هذه الحقيقة غائبة عن الأذهان في العصور الحديثة].

فاتح يونيو 2011م

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



جريدة أصوات سيتي الإلكترونية :
لن تسمح جريدة "أصوات سيتي" مطلقا بنشر أي مادة تخرج عن إطار الأخلاق الحميدة والآداب العامة أو تتضمن تجريحا للأشخاص والأسماء والرموز والمقدسات، أو تمس بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش، وكل استعمال للكلمات النابية والخادشة للحياء أو المحطة بكرامة الإنسان سوف لن تنشر. وتحتفظ الجريدة بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي هذه الشروط، هذا وإن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن رأي الجريدة وخطها التحريري المشار إليه في ميثاق الجريدة.