اليوم الأحد 22 يناير 2017 - 05:52

بين حمى الغش وكابوس الباكالوريا

أخر تحديث : الثلاثاء 24 مايو 2016 - 2:41 مساءً
بقلم الأستاذ/ الحسن فرحو | بتاريخ 24 مايو, 2016

الغش في اللغة هو إظهار خلاف ما هو مضمر، كأن يتمظهر الشخص بمظهر خادع قصد تحقيق هدف غير مشروع، يلتجئ إليه الإنسان في غفلة غيره ويكون في مجالات متعددة…

الكل على قناعة تامة أن الغش والاحتيال من الظواهر المرضية المتفشية على نطاق واسع بين أفراد المجتمع بصفة عامة وداخل مؤسساته التعليمية بصفة خاصة.

ولعل هذه الظاهرة وما لها من أثار وانعكاسات سلبية، شديدة الخطورة على واقع المجتمع ككل وحياة الفرد خاصة، في حاجة ماسة الى دراسة وتحليل وشد الانتباه الى ما سوف يترتب عنها من أخطار يصعب الخروج منها، وبالتالي استئصالها والقضاء عليها نهائيا، وهي في حاجة أيضا الى أن تعطى ما تستحق من وقت قصد الكشف عن جذورها والأسباب الكامنة وراءها.

لكن ما يلاحظ رغم خطورة هذا الجانب على الحياة الاجتماعية، وما يترتب عنها فعلا من نتائج سلبية ملموسة سواء على مستوى السلوكات أو على  مستوى العلاقات الاجتماعية، فان الظاهرة لم تحظ لحد الآن بحقها من الاهتمام والدراسة والتتبع المستمر من طرف المختصين والمهتمين بالميدان التربوي والاجتماعي على السواء.

نظرا لتشعب الموضوع، سأحاول التركيز على جذور هذه الظاهرة النامية في الوسط المدرسي، والبحث عن الظروف التي تخلقها وتساهم في انتشارها، ومعرفة ما يرجع منها الى مصادر خارجية عن التلميذ وما هو نابع من ذات التلميذ نفسه، حتى لا يبقى اللوم منصبا عن التلميذ وحده ويبقى المتهم الأول والأخير. فكان هذا حافزا على اختيار هذا البحث، زيادة على ذلك ارتباطي بالميدان التربوي يجعلني أكثر اهتماما من أي أحد أخر بهذا الجانب وذلك قصد تلمس بعض المشاكل التي تعترض عمل التلاميذ وتؤدي بهم في الأخير إلى سلوكات غير سوية وغير محمودة العواقب.

الغش في الامتحانات سلوك غير سوي، ووسيلة غير محمودة يركبها التلميذ للحصول على نقطة ايجابية، ويلجأ إليها مجازفا متى شعر بخطر يهدد مصيره. والظاهرة انتشرت انتشارا مهولا، حتى أصبحت عادية في المجتمع المدرسي، هذا السلوك اللاأخلاقي الذي نلحظه بصورة مكشوفة في مدارسنا، ما هي دواعيه؟ وما هي صيغه السلوكية؟

الكل يعلم أن المدرسة هي وليدة المجتمع ووكيلته في تحقيق البقاء والتقدم، والمجتمع المدرسي هو بهذا عينة للمجتمع الواسع الذي ينتمي إليه، وفي هذه الحالة يصدق القول بأن المدرسة مصدر الإصلاح الاجتماعي، لأن الإصلاح الذي يأتي عن طريق القانون والتخويف بالعقاب لا بقاء له وإنما البقاء للأصلح الذي ينمو في عقول المتعلمين فتعشقه قلوبهم ويخرجون متحمسين لتطبيقه ونشره والدفاع عنه.

وانطلاقا من هذه المعطيات، فالمجتمع السليم القادر هو الذي ينتج نظاما تربويا، والنظام التربوي البناء يزود المجتمع باستمرار بالأجيال المثقفة الواعية التي توجه سلوكها لتحقيق ما هو خير ونافع لحياتها الأسرية والاجتماعية. والغش في الاختبارات وأداء الواجبات هو كبقية العادات الاجتماعية الأخرى، سلوك غير موروث يكتسبه التلميذ عادة من البيئة المحلية – المدرسية- وهو بالتالي تعبير لما قد يدور فيهما من أنواع الغش المتنوع. ويرجع السبب في كون الغش السائد في الحياة المدرسية تحصيليا أو تربويا في صيغته لكون التربية تشكل البضاعة للمدرسة ومسؤوليتها الفطرية حيث يأخذ الغش المدرسي من ذلك هويته، فيبدو لنا بالصيغ المختلفة التي يتبناها التلاميذ لهدف تمرير اختباراتهم، وسنحاول حصرها في صيغ أو مراحل ثلاث.

أولها/ مرحلة التعلم وتطوير المفاهيم لمختلف أنواعها من التلميذ، مما يلاحظ على هذه المرحلة أن التلميذ لا يقوم بالغش بشكل واع ومقصود، بل تلقائيا ليدرك مفهومه ووسائله ونتائجه.

ثانيها/ عادة ما تعرف بدور المراهقة، والتلميذ المراهق يهدف في غالب الأحيان من جراء تبنيه للغش في الاختبارات لتحقيق رغبة شخصية طارئة لديه، تتمثل في إثبات ذكائه أو شطارته على عمل ما يريد، أو برهنة ذاته لدى أقرانه، وتكرار المراهق لاستعمال الغش في الحصول على ما يحتاج ونجاحه في ذلك والتشجيع الساذج لهذا النجاح مصحوب بعدم انتباه الأسرة والمدرسة لتصحيحه أو لفت الانتباه لخطورته وسوء عواقبه على مستقبل التلميذ.

ثالثها/ يصبح الغش لدى الشباب عادة متأصلة هادفة أو متخصصة، حيث يتعدى استخدامه لها الاختبارات وأداء الواجبات المدرسية، لمجالات مختلفة، اقتصادية، سياسية، إدارية، اجتماعية…

وأهم الدواعي المباشرة لمشكلة الغش في الاختبارات مجملة في أهم النقط التالية – تكاسل التلميذ وتواكله وعدم حافزتيه للتحصيل ولبذل أدنى جهد لنموه وتقدمه المدرسي. والتلميذ هنا لا يلام بهذا الخصوص بقدر ما يلام من حوله من مدرسة وأسرته ومجتمعه بسبب ما يلاحظ على سلوكه من تماطل وتهرب وقصور في المسؤولية، ثم أن عدم صلاحية الاختبارات و عدم هادفيتها التربوية من حيث صعوبتها الواضحة أحيانا و عموميتها أحيانا أخرى يؤدي بها لما يعرف عادة باختبارات التهجين أو الانتقام. و قد يميل التلاميذ الذين يتوفر لديهم استعداد مسبق للغش إلى الحصول على الإجابة المطلوبة به، حيث يعتبر النجاح بالغش أفضل من لا شيء.

وما دمنا نقوم التلميذ انطلاقا من النقطة، وما دامت العملية التعليمية مرهونة بالامتحان والنقط، فان هذه الأمور تدفع التلميذ إلى استعمال جميع الأساليب والطرق للحصول على نقطة ترضيه وترضي الجميع، وما دامت المواد كما ذكرنا والعلاقات التربوية كما اشرنا كان لزاما على التلميذ أن يلجأ إلى الغش، فعملية الغش أو (النقل) في الامتحان هي ضرب من التحدي للأستاذ وتحد لباقي الزملاء وتحد للنفس، فهي ثورة من خلالها يستطيع التلميذ أن يفرض نفسه ما دام صاحب النقطة في الامتحان هو الأفضل والأحسن…

لا نعتقد في الأحوال العادية بوجود تلاميذ متفوقين أو عاديين في تحصيلهم المدرسي، ونرى بالمقابل إن مجمل الذين يميلون لذلك أو يقومون به هم الضعفاء.

وحتى نكون عمليين هناك مجموعة حلول مقترحة للتغلب على هذا الداء الخطير، نحصرها في النقاط التالية:

-استطلاع عام في أول السنة الدراسية لإفراد التلاميذ حول مواطن الصعوبة التي تواجههم في تعلم المادة الدراسية سواء كانت هذه الصعوبات تخص المهام أو المنهج أو الأقران أو الإدارة المدرسية أو الفصل الدراسي أو البيئة المدرسية أو الأسرة، ثم تحليلها و تحديد معوقات التعلم لدى كل تلميذ ومعالجتها نفسيا و تربويا حسب طبيعة هذه المعوقات.

-تجنب العقوبات الصارمة والضرب والوعيد والتهديد للتغلب على مواطن الضعف في التحصيل المدرسي، ومما يثيره من رغبة للغش في اختباراته وأداء واجباته، لان العقاب عموما لا يعالج السلوك عادة، بل يؤدي إلى كبته وإخفائه مؤقتا حيث يظهر مرة أخرى حالة زوال الضعف أو التهديد الخارجي عن التلميذ.

-الميل للإيجاز في المتطلبات الكتابية أو الدراسية للواجبات والاختبارات، لان الصفحات الكثيرة والتفاصيل المتناهية لا تستجيب لرغبات التلاميذ ومشاغلهم.

-تنسيق المدرسين فيما بينهم على الأقل أسبوعيا، بخصوص ما يكلفون به التلاميذ من واجبات واختبارات.

-التعرف على ظروف التلاميذ الأسرية والشخصية، وتحديد المشاكل التي تأخذ منهم جل وقتهم واهتمامهم، ثم الاستجابة لها إنسانيا وتربويا.

-متابعة الأسرة لأبنائها مدرسيا، إذ أن ساعة أو أكثر شهريا يقضيها الأب أو الأم في زيارة المدرسة أو الاتصال الهاتفي بها، بالإضافة لمتابعتها الأسرية ستكون كفيلة بإبقاء قنوات الاتصال المدرسي الأسري مفتوحة، فعالة وفورية في معالجة الكثير من مشاكلنا التربوية كالغش والتسرب وضعف التحصيل.

-تنويع طرق المراقبة وتقويم أعمال التلاميذ لتشمل الامتحانات كتابية وأخرى شفاهية.

– إلغاء الامتحانات أو على الأقل تغيير النظرة إلى الامتحان كهدف في ذاته إلى وسيلة لقياس هذا الهدف.

– تشديد المراقبة على التلاميذ أثناء أداء الامتحانات و إذا حصل أن ضبط غشاش يلزم تشديد معاقبته حتى يكون عبرة للغشاشين الآخرين.

– رفع الضغط النفسي و غير النفسي عن التلاميذ لمزيد من التحصيل، و عدم مطالبة الأسرة أو المدرس أي تلميذ لانجاز ما لا يستطيع أصلا.

وإذا وقفنا على الوسائل و التقنيات التي يستعملها التلاميذ في اقتراف الغش نلاحظ أن هذه الظاهرة بلغت أوجها و باتت تنبئ بخطر مبين، سيما وأنها تجاوزت الوسائل الكلاسيكية إلى تقنيات جد متطورة يصعب رصدها…

نحن مقبلون هذه الأيام على إجراء الامتحانات الاشهادية وعلى رأسها الباكالوريا، فلا حديث اليوم إلا عن هذا الكابوس المزعج للأسر وللتلاميذ، والسؤال كيف سيمر هذا الامتحان؟ الأمر الذي نود تأكيده في ختام حديثنا عن الغش هو انه بالرغم من كونه ظاهرة متفشية في حياتنا المدرسية، إلا أن التغلب عليه ليس مستحيلا، وكل ما تستدعيه هو أن نتحول من القول إلى العمل الهادف، وأن يحصل إجماع على أن قضية التربية والتعليم قضية المجتمع برمته، المطلوب من الجميع أن يتحرك كل من موقعه الدولة بمؤسساتها، الحكومة، والقطاع الوصي، المجتمع المدني… والمقاولة المواطنة، واقصد هنا اتصالات المغرب، التي تملك من الإمكانات اللوجستيكية للتصدي للغش بجميع مظاهره. في المقابل تطل علينا بين الفينة الأخرى هي تتبجح بأرقام معاملاتها الفلكية. نسألها، ألم تفكر يوما في إخراج الزكاة نهاية كل سنة دراسية من مالها الحلال، سيما وأن النصاب قد استوفى، بل تجاوز؟

نحن أمام فيروس مستشري وصلت عدواه إلى مدرجات الكليات ذات الاستقطاب المفتوح.

التصدي التصدي له، بعيدا عن البلاغات النارية  والمذكرات العصماء والشعارات الجوفاء والحلول الموسمية الترقيعية، إذا كنا ننشد  بناء النشء، وبناء النشء /الإنسان لا يقدر بثمن.

مع الأسف الشديد نحن لا ننتج التكنولوجيا، وإذا حاولنا استعمالها غالبا ما نسيء إليها، هذا ما حصل لنا مع الهواتف الذكية /الغبية، بحيث عجزنا على تقعيدهاها معجميا وبالأحرى أن نوظفها توظيفا حضاريا يليق بنا، فنسمع هناك الهاتف الخلوي، وهنا النقال، المحمول وهلم فوضى….

في انتظار استئصال الداء، و إعادة للبكالوريا مصداقيتها وبريقها، في انتظار إنصاف التلميذ المجد، ومنح الأمل لتكافؤ الفرص…  فهل من مجيب؟؟؟؟

للحديث بقية

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



جريدة أصوات سيتي الإلكترونية :
لن تسمح جريدة "أصوات سيتي" مطلقا بنشر أي مادة تخرج عن إطار الأخلاق الحميدة والآداب العامة أو تتضمن تجريحا للأشخاص والأسماء والرموز والمقدسات، أو تمس بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش، وكل استعمال للكلمات النابية والخادشة للحياء أو المحطة بكرامة الإنسان سوف لن تنشر. وتحتفظ الجريدة بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي هذه الشروط، هذا وإن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن رأي الجريدة وخطها التحريري المشار إليه في ميثاق الجريدة.