اليوم الخميس 30 مارس 2017 - 23:39

“دافعوا عن وطن بوشكين وتولستوي”

أخر تحديث : الإثنين 29 أغسطس 2016 - 1:41 مساءً
بقلم: عبد السلام بوطيب | بتاريخ 29 أغسطس, 2016

حضرني نداء وأبيات من قصيدة وأنا أعيد قراءة مقال الكاتب والمفكر المغربي سعيد لكحل، المعنون بـ”أيها اليساريون! الوطن يناديكم”، والذي يدعو فيه اليساريين إلى التكتل لمواجهة “الخصم الرئيسي الذي يهدد المكاسب والحقوق والحريات؛ بل يهدد الاستقرار ويبتز الجميع (النظام والدولة والأحزاب والشعب) إما بالفوز بالانتخابات أو إحراق الدولة”، المتمثل في “أعداء الحداثة وخصوم الديمقراطية ودعاة الخلافة ودولة الشريعة”، الذين هم “حزب العدالة والتنمية وأذرعه الموازية……… (الذي جند) كل إمكاناته لإشاعة الفتنة عبر التحريض ضد خصومه السياسيين واتهامهم بالكفر ومحاربة الإسلام والسعي إلى إفساد المجتمع . وما ينشره أعضاؤه على صفحاتهم في المواقع الاجتماعية من تحريض على قطع رؤوس مخالفيهم”، والذي هو” بداية الفتنة التي أحرقت وتحرق اليوم شعوبا عربية كثيرة”.

وأما أبيات القصيدة التي ألحت عليّ حضورها بالمناسبة؛ فهي للشاعر الإسباني رفاييل ألبيرتي، وهو يخاطب كلبه “نييبلا”، في عز الهجوم الكاسح لجيوش الديكتاتور فرانسيسكو فرانكو الذي كان يستعد منتصف سنة 1939 للاستحواذ على كامل التراب الإسباني:

“نييبلا” رفيقي،

ولو أنك لا تعرف،

لا يزال لدينا، أمام هذا الهجوم الكاسح الذي يغمرني حزنا،

الإيمان الذي هو الفرح، الإيمان: الفرح، الفرح.

وأما النداء، فهو الذي كان قد وجهه الزعيم السوفياتي “ستالين” عبر المذياع إلى الشعب لمقاومة النازيين، الذين كانوا على أبواب موسكو، صائحاً: “دافعوا عن وطن بوشكين وتولستوي”.

هل نحن نعيش الأجواء نفسها التي ميزت نهاية الحرب الأهلية الإسبانية، المتسمة بالهجوم الكاسح والهمجي لمليشيات الجنرال فرانسيسكو فرانكو؟ وهل نحن في نفس سياق الهجوم النازي على الاتحاد السوفياتي من قبل الجيش الهتليري؛ حتى سمح عقلي بأن تحضرني هذه الأبيات وهذا النداء، تنبيها لي من حقيقة الخطر القادم الذي تحدث عنه الكاتب سعيد لكحل ؟ أم أن هذا التنبيه الذاتي هو فقط دعوة إلى التفكير في سياقات بعض الأحداث الكارثية التي أثرت على البشرية، وتركت ندوبا غائرة في ذاكرتها الجماعية والفردية؟ وهو الأمر الذي يمكن أن يساعدنا على التفكير في إيجاد حلول مستعجلة لواقعنا السياسي الذي يتردى يوما بعد آخر، بفعل الهجوم الكاسح الذي تحدث عنه الكاتب وتناوله قبله كثيرون ممن يسكنهم هاجس مستقبل الوطن.

قد نختلف في طبيعة خطورة الوضع السياسي الراهن الناجم عن الهجوم الظلامي القرووسطي، المسنود إلى قراءات خاصة للنص الديني، والهادف إلى اجتثاث كل مكتسباتنا الديمقراطية والحقوقية؛ فبعضٌ منا – مثل سعيد لكحل وآخرين- يرى أن نيران خطره قد اقتربت منا كثيرا وبدأت تأكل من تلابيب ثيابنا، وعلينا الاستعداد لمعركة الحسم. ويرى آخرون أن الخطر قائم حقيقة؛ ولكنه لا يستوجب التهويل، بقدر ما يستوجب منا أن نرسم الخطاطات المعتمدة على الذكاء الجماعي لوقفه.

العارفون بتاريخ المغرب وبطبيعة شعبه وملوكه لا يهولون الأمر كثيرا، ولا يستهينون به إلى حد الغباء؛ بالنظر إلى طبيعة الطموح التاريخي لمن أشار إليهم الكاتب، وخططهم، وعلاقاتهم الدولية المتشعبة، وولاءاتهم الشرقية. ومن ثم، تراهم يدعون إلى ضرورة رسم الخطاطات المعتمدة على الذكاء الجماعي لوقف طموح كل من سولت له نفسه أن يحكم المغرب خارج سياق تحوله الطبيعي. ولعل أول شرط سيفكر فيه هؤلاء، في علاقة بالدعوة التي أطلقها سعيد لكحل، هو طبيعة مكونات أدوات المقاومة.

إن المنتمين إلى اليسار المغربي، من اليسار المعتدل الى أقصى اليسار، لم تعد لهم اليوم، بالنظر إلى الشروط الموضوعية والذاتية، القوة اللازمة ليقاوموا لوحدهم “الخصم الرئيسي الذي يهدد المكاسب والحقوق والحريات، ويهدد الاستقرار ويبتز الجميع، الذي هو في اعتقادي أكبر بكثير من حزب العدالة والتنمية وأذرعه الموازية، حيث يمتد إلى كل المكونات السياسية والنقابية والجمعوية والدعوية التي تخلط الدين والسياسية، الظاهرة منها والمستترة، وتجعل من المشترك الديني أداة إيديولوجية للحكم والتحكم. لذا، فالمرحلة الراهنة المتسمة، في اعتقادي، بجعل المكتسبات الديمقراطية المتحققة موضع صراع وتصادم من جديد ما أسهم في تعمق غياب التعاقد الاجتماعي الحاسم الذي يضمن العمل الطبيعي للمؤسسات، ويؤسس للسلم الاجتماعي الدائم والشامل، (إن هذه المرحلة) تتطلب منا تشكيل كتلة ديمقراطية حداثية/ تنويرية، مشكلة أساسا من كل من تفاعلوا مع تجربة الإنصاف والمصالحة إيجابيا، بمن فيهم من كانت لهم ملاحظات نقدية في المبتدأ والخبر؛ كمؤسسات حزبية، ومنظمات سياسية وحقوقية، وأفراد وجماعات تنويرية، بمن فيهم اليسار، كل أطياف اليسار، حيث ستكون توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة في شقها السياسي أرضية لصياغة برنامج سياسي باعتباره حدا أدنى سنناضل من أجله لصد الهجوم الظلامي.

وهنا، أستحضر أن المؤرخين المغاربة يؤكدون أن كل المحطات المهمة في تاريخ المغرب، التي نقلته من مرحلة إلى أخرى أكثر تقدما، تمت عبر التفاعل الإيجابي بين مختلف الفاعلين السياسيين الإيجابيين، حيث يكون القصر محورها. وفي هذا الأمر، كما قلت في مقال سابق، لن نكون في مكانة من اكتشف العجلة؛ ذلك أن جميع الملكيات الديمقراطية تعيش، وستعيش على هذا الإيقاع.

وحده هذا الاقتراح، بالتعديلات الممكنة، التي ستفرضها النقاشات حول المشروع في الشكل وفي بعض المضمون، يمكن أن تجعلنا نردد مع الشاعر رفاييل ألبيرتي: “الإيمان الذي هو الفرح، الإيمان: الفرح، الفرح”.. الذي هو الوطن (الإضافة من عندي)، والتي ستجعلنا ننادي في شعبنا، على غرار ما فعله جوزيف ستالين غداة الهجوم النازي على وطنه، دون أن ننسى إدانتنا لفترة حكمه بالنظر إلى ما اقترفه من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، “دافعوا عن وطن…..، المغرب؛ الوطن الذي يجب أن يتسع للجميع”، مع استحضار أسماء كل من أسهم في بنائه دون ابتزاز إلى اليوم.

* رئيس مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



جريدة أصوات سيتي الإلكترونية :
لن تسمح جريدة "أصوات سيتي" مطلقا بنشر أي مادة تخرج عن إطار الأخلاق الحميدة والآداب العامة أو تتضمن تجريحا للأشخاص والأسماء والرموز والمقدسات، أو تمس بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش، وكل استعمال للكلمات النابية والخادشة للحياء أو المحطة بكرامة الإنسان سوف لن تنشر. وتحتفظ الجريدة بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي هذه الشروط، هذا وإن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن رأي الجريدة وخطها التحريري المشار إليه في ميثاق الجريدة.