اليوم السبت 21 يناير 2017 - 21:36

شاطِئُ مِيامي في عُنقِ زُجاجة

أخر تحديث : الجمعة 29 مايو 2015 - 11:07 صباحًا
اسماعيل العثماني* | بتاريخ 29 مايو, 2015

 

 

   جاءَ المَوجُ بزُجاجةٍ مِن جَوفِ البحر الأبيض المتوسط فوَضعَها على شاطئِ مِيامي في بني أنصار. التقطها ضميرُ الغائبِ فوجدَ بداخِلها وَرقة؛ وعِندما بسَطَ الورقة وجَدَها عبارةً عن رسالةٍ مَرفوعةٍ إلى المسئولين عن الشأن المَحلي هذا نَصُّها:

    تحية طيبة

    وبعد،

   ها قد جاءَ موسمُ الاصطياف، وها هُو الشعور بالقلق والإحباطِ قد عادَ إِلينا بسببِ ما بِتنا نُعاينُه كلَّ صيفٍ منذ حُلول الألفية الثالثة مِن فوضى وخرابٍ وانحلالٍ في شاطئنا، نتيجة تنصُّلِكم مِن واجبكُم، واستسلامِ أبناءِ المنطقة لِقدَرهِم، ومَجيءِ الغُرباء على بَكْرة أبيهم، وتسليمِ المَشبوهين أوراقَ اعتمادِهِم للمجلس البلدي من أجْلِ تسَلُمِ مفاتيح مِياميهم.

   لقد كُنّا في الماضي نتطلعُ دَوماً إلى فصل الصيف لأنه موسم البحر بامتياز، فترة التفرغ من المدرسة أو الثانوية للمَرَح على الشاطئ ومُداعبةِ الكُرة وبناءِ قُصور خيالية وحَفر مَناجم وَهميّة والسِباحةِ في البحر والجرْي مع الأنداد والتمدُدِ على الرمل تحت أشعة الشمس أو التتابع في الغابة المٌجاوِرة تمتُعاً بسِحرِ الطبيعة وترويحاً عنِ النفس وشَحْناً للطاقة لمُواجهة الخريف والشتاء.

   كان يَسُودُ شاطئَ مِيامي في فصل الصيف جوٌ مِن السُرور والانشراح والحرية لا يخلو من روح التعلُم والتجريب وتكوين الذات. كنا لا نسمع سوى موج البحر وصوت النورس وصياح الأطفال وهُتاف الكبار. لم نكن نَسمع مُحركَ سيارة أو دراجة نارية، ولا نرى عربة مدفوعة أو مجرورة، ولمْ يَكن يُوجَد في مُحيطِنا ما يَتهدَّدُ بيئتَنا من أكواخ أو متلاشيات، ولا وُجوهَ غريبة تُقلق راحة بالِنا.

   كان البحرُ سعيداً بنا. نحْنْ له وهو لنا، وبني أنصار يَجمعُنا. يُرَحِبُ البحرُ بقدُومِنا طوال أيام الصيف: يَستضيفنا شاطئُه ورمْلُه وماؤُه، ويُهديناً أحياناً بلحَ البحر لندخُل به غنيمة على ذوينا وأحياناً أخرى لُعَباً يَقذِفها لنا على الشاطئ وقد أتى بها من بعيد ليَزيدنا سعادة على سعادة. وبكل عفوية كنا نردُّ الجميلَ بالحِفاظِ على نظافة الشاطئ والبحر واستدامة الغابة والرمال. كانتْ أيامُ العطلة التسعون تتتالى ولا تتشابه، جميلةً كلَها، إلى أنْ يَحِين موسمُ الدخول المدرسي، فنسبحُ لآخِرِ مَرة، ثم نَضرب مَوعداً للبحر إلى السنة الموالية.

   أمّا اليوم، ومنذ حوالي 15 سنة، فقد أصبح شاطئ مِيامي يتعرضُ للاغتصاب في كل صيفٍ أمام تقاعسكم وغَصْباً على أبناء المنطقة. لِذا نلتمس منكُم هذا الصيف أنْ تضعوا حَدّاً لهذه السُنة المنبوذة، أداءً لواجبِكم واحتراماً لأهالي بني أنصار وحمايةً لشاطِئه. ونرجُو ألّا تُبرِرُوا تقاعُسَكُم المعهود بغياب الموارد، لأنكم لن تحتاجوا إلى موارد بشرية أو مادية إضافية للقيام بذلك. سوف تكفيكُم النزاهة والإرادة والغيرة على المنطقة.

   وإليكم 10 أفكار متواضعة نَضعُها رهن إشارتكم بالمَجّان لعلها تُفيدكم:

1-اُرسُموا رَسماً واضحاً حُدود البُقعة المخصَّصة للمتاجَرة قريباً من الشاطئ وحَذِروا المستفيدين من الرُخَص مِنْ تجاوُزها؛

2-لا تُسَلِموا تراخيص استغلال الشاطئ لكل مَن هَبَّ ودَبَّ، واسْحبُوها فوراً مِن كُلِ مُعتدٍ أثيم، ليكون عِبرة للآخَرين؛

3-اشترِطوا حَداً أدنى من جَمالية الدُكان والأثاث ونظافة المكان وسلامة السِلعة المعروضة للبيع؛

4-اِحرصُوا على قيام الشُرطة الإدارية يومياً بمراقبة المستفيدين من الرُخص وعاقِبوا رِجالها الذين ألِفوا التهاون أو التواطُؤ مع الراشِين؛

5-مُرُوا رجالَ الشرطة الإدارية بتسليمِكم، عند نهاية كل يوم، محضراً قصيراً جداً، يكتفي بوصف الوضع على الشاطئ (جيد، سيء، متوسط) وذِكر عدد وهُوية المخالفين، مصحوباً بصورتيْن نموذجِيّتيْن (بالهاتف)، إحداهُما مُلتقَطة صباحاً والأخرى عَصراً، تُبيّنان مَواقع المستفيدين مِن الرُخَص وخُلوَّ الشاطئ مِن السيارات والعربات والدراجات؛

6-ثبِتُوا حواجزَ حقيقية، بَدل الرّملية، لِمنعِ مُرور السيارات والعربات والدراجات النارية إلى الشاطئ، مع تذكير القوات المساعِدة في عين المكان بأخذ المنع على مَحمَل الجِدّ؛

7-اِحرصُوا مع الجهات المَعنية بتنظيف الشاطئ على وضعِ حاوياتٍ مُناسِبةٍ شكلا وحجماً وجمعِ القاذورات في أوقات معينة؛

8-نَسِقوا مع الوقاية المدنية لتكون عناصرُها حاضرة على الشاطئ ومنضبطة طيلة فصل الصيف، بخيمة وتجهيزات محترَمة، لتقديم خدمة مقبولة؛

9-ضَعُوا خُطّةً صارمة بمَعية الأمن الوطني لضمان استتباب الأمن على الشاطئ وفي محيطه خلال النهار والليل، مع القيام بدوريات منتظمة ردْعاً للفوضى والجريمة والسهرات الماجنة؛

10-قُوموا بزياراتٍ خاطفةٍ ومُفاجئةٍ للشاطئ بين الحين والآخر، ولو لدقائق معدودة، لترَوْا بأُم عَينِكم مدى احترام المستفيدين مِنَ رُخَصِكم للحدود المرسومة والشروط المطلوبة، وقيامِ المأمورين بالواجب ومِصداقية مَحاضِرهِم وصُوَرِهِم.

   في الأخير، لا نملِكُ إلا التمنّي مِن أجْل مِيامي. نتمنّى أنْ يَستفيق ضَميرُكُم هذا الصيفَ فتقومُوا بِواجبكم إزاءَ أبناء بني أنصار لكي يتسنّى لهم استرجاعَ شاطِئهِم والاستمتاعَ به مِن جديد. نُذكّركم بأنّ القرار بِيدكُم، والله ولي التوفيق.

   *أكاديمي ومترجم

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



جريدة أصوات سيتي الإلكترونية :
لن تسمح جريدة "أصوات سيتي" مطلقا بنشر أي مادة تخرج عن إطار الأخلاق الحميدة والآداب العامة أو تتضمن تجريحا للأشخاص والأسماء والرموز والمقدسات، أو تمس بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش، وكل استعمال للكلمات النابية والخادشة للحياء أو المحطة بكرامة الإنسان سوف لن تنشر. وتحتفظ الجريدة بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي هذه الشروط، هذا وإن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن رأي الجريدة وخطها التحريري المشار إليه في ميثاق الجريدة.