اليوم الإثنين 23 يناير 2017 - 06:37

فلورا وحديقة بني انصار

أخر تحديث : الخميس 30 أبريل 2015 - 4:31 مساءً
 بقلم ذ.محمادي راسي | بتاريخ 30 أبريل, 2015

 

 

 

“تستطيعون قطف الزهور، لكنكم أبــدا، لا تستطيعون وقف زحف الربيع”

بابــــــــــلو نيـــــــرودا

“أرض قريتي

أبحث عنها في هذه الطريق

دفء الربيع”

من قصيدة “الموت الهادئ للربيع”

للشاعر الياباني داكوتسوليدا

الحياة بلا ربيع لا قيمة لها، الكرة الأرضية إذا كانت ترابا وأحجارا فقط لا معنى لها، دليل حياة وانتعاش الأرض بروض الربيع ونمو الأعشاب والأشجار والنبات، طبعا بوجود الماء، والمدينة بلا حديقة كعقد بلا واسطة.

بحلول فصل الربيع تنشرح الصدور، تنفتح الخياشيم، وتتسع الحيازيم، وتتفتح البراعيم، والدماء تجري بسرعة في الشرايين، مما يدل على القوة والنشاط والحيوية، ولأنه يمثل  شباب وقوة الفصول الأربعة، فصل الصفاء والجمال والشباب، وكوبيد إله الشباب والحب، والاحتفال بالربيع كان قديما كأكتيو حصاد الشعير، وكذلك الاحتفال بالنصر الذي  ناله مردوك على الإله تيامات، والربيع ملهم الشعراء والأدباء والمفكرين والرسامين، كما فعل فانخ غوخ الذي اشتهر بلوحته في رسم الربيع “زهرة الخشخاش” وكذلك تغنى به المغنون كفريد الأطرش  “ادي الربيع”، وقال البحتري فيه:

أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا // من الحسن حتى كاد أن يتكلما

وقد نبه النيروز في غسق الدجى // أوائل ورد كن بالأمس نوما

وقال تلميذه أبو تمام:

يا صاحبي تقصيا نظريكما // تريا وجوه الأرض كيف تصور

تريا نهارا مشمسا قد شابه // زهر الربى فكأنما هو مقمر

وقال أبو حامد الغزالي إمام المتكلمين وحجة الإسلام؛ “من لم يحركه الربيع وأزهاره والعود وأوتاره، فهو فاسد المزاج وليس له علاج”

النيروز أو النوروز أو النفروج عيد من أعياد الربيع عند الفرس، وعند الرومان كانت تقام أعياد فلوراريا على شرف والدة الربيع فلورا؛ إلهة الزهور والحدائق كما كان الشأن في الأساطير والمثيولوجيا، كانت الطبيعة مقدسة، ولكل ظاهرة إله، فلو عاينت فلورا ما يحدث اليوم في حديقة بني انصار لأرسلت زيوش إله العواصف والأمطار، أو لاستنجدت بجوبيتر الروماني، لإخلاء الذين يبغبغون أعشابها، ويعيثون فيها فسادا، ويتخذونها ملاذا للشيشة والخمرة والحشيش والتحرش، ويسيطرون على الملك العمومي، لأن أهل الشأن المحلي عجزوا عن تنقية هذه الحديقة لأسباب نجهلها، فالساكنة لا تستطيع أن تستمتع بالتجوال في هذه الحديقة، نظرا لمضايقات واستفزازات، وأحيانا تتعرض للسرقة والتشرميل، والسلطات المحلية لا تحرك ساكنا، لأنها؛ إما تغض الطرف عمدا، أو لا تستطيع مواجهة هذا الواقع السخيف الخطير، الذي لا يمت بصلة بالتمدن والمدنية والمدينة، أو أنها أثرت فيها البركة التي تعمل على شل الحركة، أو كأن ذبابة تسي تسي حلت بالحديقة فسببت النوم للجميع.

هذه الحديقة يجب أن تحترم كما كان يفعل القدماء، هي مقياس جمال المدينة، وكل ما خلقه الله جميل وبديع، ومرآة مستوى الساكن بها، كما أنها رئة المدينة، هي ملك وتراث للجميع، وللحدائق شأن عظيم، وتاريخ عريق وعتيق، من الحدائق المعلقة ببابل ــ وهي من عجائب الدنيا السبع ــ  إلى أهم الحدائق الحديثة اليوم في العالم، من العار ومن سوء الأخلاق أن تدنس بالكراسي والأقدام، ويلاحظ أن بعضا من أجزاء الحديقة يهتم بها، بينما الأجزاء الأخرى مهمشة، لا تنال حظها من العناية والرعاية والسقي والتهذيب والتشذيب… وكما قلت في مقالة سابقة “بها ثلاث آبار وهي حرى”، فهذا السلوك أو الإهمال يعتبر ميزا وإقصاء وتهميشا، بل فشلا في تسيير شؤون هذه المدينة، فهل لمن صوت لصالح فلان حلال، ولمن لم يصوت لصالحه حرام؟؟، فإذا كان رئيس المجلس البلدي في مدينة ما، يفكر بهذه العقلية التقليدية العتيقة ـــ وقد أكل عليها الدهر وشرب ــ عليه أن يأخذ بذلته استعدادا للترحال والاستقالة والرحيل، وليكن في علم المسؤولين جميعا، أن الساكنة المجاورة للحدائق والمقاهي، لا تشعر بالراحة والأمن والهدوء من جراء الساهرين في الحدائق، وهم يتناولون الشيشة وما يشبهها، ويمارسون القمار والتحرش ومعاقرة الخمرة…، وكذلك من الأصوات المزعجة المنبعثة من المقاهي إلى الفجر، وقد أشرت إلى هذا مرارا وتكرارا، ولكن السلطات لا تقوم بعملها، على رئيس المجلس البلدي أن يعيد النظر في الرخص، فبعض المقاهي تبقى مفتوحة إلى الفجر، فما نوع الزبناء في الثالثة صباحا وأكثر…؟ وهل الملك العمومي فوت للبعض بالمحسوبية والزبونية لكسب الأصوات أم بطريقة أخرى…؟؟!!! بأي سند أو قانون يحتل البعض الملك العمومي؟؟.

إن في هذا تلاعبا واضحا، وتحديا سافرا، وخرقا للقانون والعرف والتقليد والمعاملة…؟؟؟!!!، إن المسؤولين شعارهم في التسيير هو: “حيد على راسي وشقف”، لأنهم بعيدون… وينامون في اطمئنان، ولا تهمهم معاناة الساكنة ــ “ما يحس بالمزود غير المخبوط به”، “ما يبكي وينوح إلا المجروح” ــ بهذا الشعار تعيش المدينة في السيبة والفوضى والشوهة ليل نهار، فمن لم يستطع أن يسير شأن المدينة، ويتحمل المسؤولية عليه أن يستقيل ويرحل… قبل أن يحاسب ويعاقب، عليهم أن يعرفوا أن موسم الهجرة إلى الحديقة لتناول الشيشة… لإيذاء القاطنين المجاورين، وقتل كل ما هو أخضر، قد بدأ في 23 أبريل 2015م بعد العشاء، رغم الإنذارات والتنبيهات من طرف الساكنة، وكذا السلطات التي قامت بحملة في صيف 2013م، ولكن دون جدوى، والطيور انتبهت إلى هذا السلوك؛ سلوك الاعتداء على الطبيعة، فهجرت الحديقة إلى مكان آخر، طبقت القولة الشعرية للشنفرى “وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى”، رغم المقالات والمراسلات فما زالت دار لقمان على حالها، وعاد الهجوم على حديقة المدينة من جديد، كلما حل الربيع والصيف، كما عادت حليمة إلى عادتها، وكما عادت لعترها لميس، فليس هناك آذان صاغية  إما عمدا أو سهوا أو صما أوبكما…؟.

إن الشريعة الإسلامية تلح على احترام الطبيعة بما فيها الأراضي كالنبات والأشجار والحيوان والإنسان،  والبحار بما فيها من حيتان ومنافع للآنام، والسماء بفضائه وغلافه الجوي، وآداب المعاملات، واحترام الطرقات،  فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلعم قال: “إياكم والجلوس في الطرقات، فقالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد، نتحدث فيها، فقال رسول الله صلعم: فإذا أبيتم إلا المجلس، فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق يارسول الله؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر” متفق عليه.

وقد جمع آداب الطريق في الأبيات الآتية:

جمعت آداب من رام الجلوس على // الطريق من قول خير الخلق إنسانا

افش السلام وأحسن في الكلام // وشمت عاطسا وسلاما رد إحسانا

في الحمل عاون ومظلوما أعن وأغث // لهفان ارشد سبيلا واهد حيرانا

بالعرف مر وانه عن نكر وكف أذى // وغض طرفا وأكثر ذكر مولانا

وختاما:

كللنا، من كثرة النباح والإسرار،

تعبنا، من كثرة الإلحاح والاجترار،

ونينا، من كثرة البراح والتكرار،

عيينا، من  كثرة البواح والاستمرار،

ضعضعنا، من  كثرة النواح والثبار،

عميت قلوبنا، من رؤية الشر والأشرار،

لا أدري من أي جنس،

أو طينة نحن..؟

بأرجلنا وأيدينا وغيرها،

نهلك الأزهار والأشجار،

ونتلف عشب الحديقة،

وبسلوكنا المشين،

نقتل جمالية المدينة،

حتى الأوابد تهجر ولا تهجع،

والقواطع لاتستكن ولا ترجع.

وافلوراه وافلوراه…

كثر الملوثون للبيئة،

كثر المدنسون للحديقة،

بنت الطبيعة،

الوسيمة الوديعة…

صديقة الربيع،

والحشرات والأزهار ،

والطيور والأشجار..

والإنسان والحيوان..

وأخت السماء والجبال…

والوهاد والنجاد…

والأنهار والبحار…

وكل ما في الكون.

لك الله ياحديقة،

مدينتنا اليتيمة،

لا تغيثك فلورا،

ولا نورا،

ولا هبورا ،

ولا…..

وأقول للحديقة ما قاله الشاعر لنفسه:

أقول لنفسي كلما عضها الأسى / فآلمها: صبرا، ففي الصبر مكسب

إذا كان صعبا حملك الهم والأذى / فحملك هم الناس، لاشك، أصعب

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



جريدة أصوات سيتي الإلكترونية :
لن تسمح جريدة "أصوات سيتي" مطلقا بنشر أي مادة تخرج عن إطار الأخلاق الحميدة والآداب العامة أو تتضمن تجريحا للأشخاص والأسماء والرموز والمقدسات، أو تمس بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش، وكل استعمال للكلمات النابية والخادشة للحياء أو المحطة بكرامة الإنسان سوف لن تنشر. وتحتفظ الجريدة بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي هذه الشروط، هذا وإن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن رأي الجريدة وخطها التحريري المشار إليه في ميثاق الجريدة.