اليوم الجمعة 24 مارس 2017 - 11:57

في “ترجَمةُ القوْل السِّياسي”

أخر تحديث : الجمعة 17 يونيو 2016 - 1:20 مساءً
اسماعيل العثماني* | بتاريخ 17 يونيو, 2016

في إطار اهتمامي بالترجمة، استوقَفني مقال بعنوان “ترجمة القول السياسي” نشرَته هسبريس (كُتاب وآراء) في 14 يونيه 2016. ويقول الأستاذ عبد الله الحلويفي تصدير مَقالِه هذا والغايةِ منه:

“في السنة الماضية، نشرتْ بعضُ المواقع الإلكترونية ترجمة لمقال رُوبرتْ لُوني المنشور في المجلة الأمريكية (فُورِينْپُوليسي) بتاريخ 9 يوليو 2015 عنوانه Moroccois running out of Time والترجمة التي أقصد هنا هي تلك التي أنجزها أنجزها أحد المترجمين المغاربة والتي عنونها “الوقت بدأ ينفد أمام المغرب”. جملة ما أريد أن أبينه في هذا التحليل اللساني أن الترجمة المذكورة نقلت معاني نص روبرت لوني بشكل شوه المقاربة التنموية التي يريدها روبرت لوني للمغرب، مما لا يسمح للقارئ المغربي بفهم إحدى وجهات النظر الأمريكية المهمة حول المغرب التي قد نتفق معها وقد نختلف.”

يتعلق الأمر إذنْ بقراءةٍ مُقارِنة بين نص أصلي بالإنجليزية وترجمتِه إلى العربية؛ وهو قصدٌ أكاديمي مَحمود ما أحوجَنا إليه للنهوض بالترجمة في المغرب. ولكنْ أثناء القراءة، أثار انتباهي قبْلَ وأكثرَ مِن غيْره ذلك الأسلوبُ الذي استعمله صاحبُ المقال مع صاحبِ الترجمة، بحيث اتهمه ب”التشويه الترجمي” المُفضي إلى تأويل سياسي مَصلحي. هذا الأسلوبُ أيقظ فضولي فبحثتُ على الفور عن الأصل الإنجليزي وترجمتِه العربية كاملة لأقارنَ بين النصين، ثم أستوضحَ هل يَستحقُّواضعُالترجمة بالفعل تلك المعاملة “الخاصة” من طرف الأستاذ الحلوي. وبعد مقارنة سريعة بين الأصل والترجمة، مع استحضار “التحليل اللساني” للأستاذ، سجَّلتُ الملاحظات الآتية:

1. يقول العنوان الأصلي: “Moroccois Running Out of Time”

وتقول الترجمة: “الوقت بدأ ينفذ أمام المغرب”

ويقول الأستاذ الحلوي: لا شيء

فيقول عبدُ ربِّه: “المغرب على وشك استنفاذ وقته” أو “الوقت يكاد يَنفذ من المغرب” أو “الوقت يُداهِم المغرب”.ولعلَّ الاقتراحَ الأخير هو الأنسب، مع الإشارة إلى أنَّ الوقت لا يَنفذ، بلِ الأجَلُ هو الذي يَنفذ. وإذا حصل أنْ نفَذ الوقتُ فإنه يَنفُذ مِنْ أحدٍ أوْ شيءٍ وليس أمامَه.وفي جانبٍ آخر، لم ينتبه الأستاذ الحلوي إلى الأحرف الكبيرة (capital letters) عند نقله للعنوان الإنكليزي، رغم أهميتها، ولكنه انتبه إلى شيء آخَر لم يكن يحتاج إلى انتباهٍ منه، حيث كَتبَ قائلا: “لا يضع الكاتب مزدوجتين حول هذه التسمية [IslamicState]، لكن المترجِم يضعهما حولها في النص المترجَم كله [“الدولة الإسلامية”]”. باختصار، المترجِم على صوابٍ لأنَّ كاتب المقال استعمَل الأحرف الكبيرة (للتعليم) التي عادةً ما تُقابِلها المزدوجتان في اللغة العربية.

2. يقول النص الأصلي: Hardly a week passes without Moroccan security services announcing the arrest of members of an allegedIslamic State sleepercell.

وتقول الترجمة: لا يكاد يمر أسبوع دون أن تعلن الأجهزة الأمنية المغربية اعتقال عناصر من خلايا مفترضة لتنظيم «الدولة الإسلامية».

ويقول الأستاذ الحلوي: فبينما يَستعمل الكاتب الفعل الإنجليزي allege الذي يعني “ادعى” الذي يفيد بأن الدولة تؤكد على وجود هذه المجموعات بدون دليل، يستعمل المترجم الفعل المحايد “افترض” الذي قد لا يدل على “ادعاء” الدولة وقد لا يستلزم إمكانية كذبها في هذا الإدعاء. أضف إلى هذا أن الكاتب يستعمل كلمة sleeper ليصف الجماعات المتحدَث عنها، في حين لا يستعمل المترجم ما يفيد معناها في العربية (“النائمة”). هذا يعني أن الكاتب يفترض أن الدولة المغربية “تدعي وجود خلايا إرهابية نائمة في المغرب” وهو يتحفظ من هذا الإدعاء، أما النص المترجم فلا يشترك مع الكاتب في هذا الموقف المتحفظ.

فيقول عبدُ ربِّهِ في ترجمته: لا يكاد يمضي أسبوعٌ واحدٌ حتى تعلِنَ المصالح الأمنية المغربية عن اعتقالِ أعضاءِ خليةٍ من الخلايا النائمة المزعومة ل”الدولة الإسلامية”.

لقد أغفلتِ الترجمة كلمة “sleeper” فما قالت “نائمة” ولا “راقدة”. وهذا ما لاحَظه الأستاذ الحلوي بحقٍ. بَيْدَ أنّ ملاحظته بخصوص معنى “allege” وما بناه عليه لم تكن موفَقة. هذا الفعلُ يَعني “ادعى” بالفعل، ولكنه قد يَعني “احتج” و”زعم” و”تذرع”. والمقصود في السياق الحاضر هو الزَّعْمُ بناءً على معطيات أمنية أوَّلية. ويظل الزَّعمُ زَعْماً في لغة التحقيق الجنائي حتى يُثبِت القضاءُ صحة الشيء/ الفعل وإدانة المشتبه فيهمِن عَدمِهما. ويبقى الافتراضُ قريباً من الزعم في القاموس، ليبقى “ادعاء” الأستاذ الحلوي ادعاءً ثابتاً لا مَزعوماً، بلْ جَسيماً حين يترتَّبُ عنه بأن “الدولة المغربية تدّعي…” وبأنَّ لِلمُترجِم “موقف متحفظ” لم يَصدُرْ عنْ كاتبِ المقال (روبرت لوني).

3. يقول النص الأصلي: Itseconomyhad been hard-hit by the international economiccrisis of 2008-09,withfallingremittances and high unemploymentamongworkersreturningfromoverseas.

وتقول الترجمة:لقد تضرَّرَ اقتصاده بشكل ملحوظ بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية لسنة 2008 ــ 2009، خصوصا مع تنامي البطالة في صفوف العمال المهاجرين في الخارج وانخفاض تحويلاتهم.

ويقول الأستاذ الحلوي: فالكاتب يفترض أن المهاجرين المغاربة قد عادوا إلى المغرب وزادت عودتهم من معدلات البطالة في البلد.لاحِظ بأن الكاتب لا يضع فاصلة بينworkersوالجملة الموصولة المتعلقة بهاreturningfromoverseasفالقاعدة في الإنجليزية أن عدم استعمال الفاصلة مع الجملة الموصولة يُفيد معنى التخصيص: فالكاتب “يخص” العمال العائدين من المهجر بصفة high unemploymentوبما أن هذه الهجرة المعكوسة غير موثقة بشكل جيد، فإن هذا الكلام قد يحمل على أن روبرت غير عارف بالوضعية السوسيو اقتصادية المغربية كما يحاول أن يوهم قارءه .. لكن النص المترجم “يصحح” هذا المعطى في النص الأصلي وينسب البطالة إلى العمال في هجرتهم لا عند عودتهم.

فيقول عبدُ ربِّه: الترجمة مقبولة، لأنها استوعبتِ المعنى الأصلي وحاولتِ التعبير عنه بالعربية، ولكن الأستاذ الحلوي أساء، في تقديري، فهمَ النص الأصلى فادّعى أنَّ الترجمة زاغتْوقلبتِ المُعطيات فأوهمتِ القارئو”صحَّحتْ” فرفعتْ حرَجاً مفترَضاً عن السيّد لوُني مع خبراء الاقتصاد الاجتماعي. لهذا أقترحُ تصحيحَ “تصحيحِ” الأستاذ الحلوي للتصحيح المزعوم للنص الإنجليزي بهذه الترجمة:

“لقد تلَقَّى اقتصادُه ضربة شديدة جَرّاء الأزمة الاقتصادية العالمية في 2008-2009، التي أدَّت إلى انخفاض التحويلات المالية وارتفاع نسبة البطالة في أوساط العمال العائدين من المهجر.”

4. يقول النص الأصلي: Towardthisend,itiscriticalthat the kinglendhisauthority to the PJD to quicklyovercome the opposition of vestedinterests.

وتقول الترجمة: ولهذه الغاية، فمن الأهمية بمكان أن يتخلى الملك عن سلطته لصالح حزب العدالة والتنمية من أجل القضاء، في أسرع وقت، على تضارب المصالح الخاصة.

ويقول الأستاذ الحلوي: فبينما يفترض الكاتب أن الحكومة تقاومها مصالح شخصية متخفية مستعملا عبارة the opposition of vestedinterestsالتي تفيد معنى “المقاومة” أو “الممانعة” فإن المترجم يتحدث عن “تضارب المصالح الخاصة” كأنما المقصود هو المقصود هو أن للملك والحكومة مصالح خاصة متضاربة يبنغي وضع حد لها. وهذا بعيد جدا عن المعنى الذي يقصد إليه الكاتب.

فيقول عبدُ ربِّه: لقد أخطأتِ الترجمة ولم يُصِب الأستاذ الحلوي. لذا أقترح ترجمة بديلة: “لبلوغ هذه الغاية، بات من الأهمية بمكان أنْ يَقرِض المَلِكُ هيبتَه لحزب العدالة والتنمية لكي يتغلبَ بسرعةٍ على التضارب القائم في المصالح الخاصة”.

والنص الأصلي لا يتضمن أيّاً من “الإسقاطات” التي جاءت في تأويل الأستاذ الحلوي. كلُّ ما في الأمر أنَّ الكاتب لوُني لاحَظ وُجودَ تضارُبٍ في المصالح الخاصة باقتصاد الريع وتلك الخاصة بالاقتصاد العصري، حيث يُقاوم الأولُ الثاني الساعي للإقلاع، فاعتبرَ وقوفَ المَلكِ [معنوياً وليس إيديولوجياً] إلى جانب الحزب القائد لحكومة جلالتِه أمراً حاسماً لتجاوز ذلك التضارب. والنص الأصلي قبْل الفقرة المقتبَسة واضح في هذه النقطة.

5. يقول النص الأصلي: What actions the returne estake and the likelihood of their success could depend on the level of popular discontent that await sthem.

وتقول الترجمة: إن الذي سيحدد الأشكال التي ستتخذها تحركات العائدين، واحتمال نجاحها، هو مستوى السخط الشعبي الذي ينتظرهم في المغرب.

ويقول الأستاذ الحلوي: يَستعمل الكاتب الفعل الإنجليزي await الذي يعني في هذا السياق “تربص” أو “انتظر من أجل الإنقضاض على “wait to ambush” فما يقصده الكاتب هو أن العائدين من سوريا والعراق ينتظرهم سخط شعبي قد يكون قليلا أو كثيرا، وأن شكل تحركاتهم في المغرب يتوقف على طبيعة هذا السخط ومقداره. أما النص المترجم فيدخل بعض اللبس على هذا المعنى مما قد يجعله يفيد أن المحاربين العائدين من سوريا والعراق سيجدون “سخطا شعبيا” قد يستغلونه.. ويزيد السياق في احتمال تفضيل قارئ الترجمة لهذا المعنى حتى ولو أنه ليس هو المعنى المقصود.

فيقول عبدُ ربِه: يشير النص الأصلي والترجمة معاً إلى أنّ تحركات المحاربين العائدين سيتوقف نوعُها واحتمالُ نجاحِها على درجةِ الاستياء الشعبي [من الوضع المعيشي القائم] الذي سيجدونه في المغرب. وخلافاً لِما يراه الأستاذ الحلوي، فإنَّ فِعلَ “await” لا يحمل في طياته “تربصاً” ولا “انتظاراً من أجل الانقضاض”، لأنالمقصود هو وجود واقع معين ينتظر (مَجازاً) هؤلاء العائدين. كما أنَّ الترجمة كانت وفية للنص الأصلي حين ربطت نوعية تحرُّكِ المحاربين العائدين ومدى نجاحِه بدرجةِ الاستياء الشعبي، الذي “قد يستغلونه” فِعلاً.

6. This slow down occurred despite a relatively liberal free market approach to economic activity that attracted $3.4 billion in direct foreigninvestment.

وتقول الترجمة:هذا التراجع حصل على الرغم من اتباع النهج الليبرالي نسبيا في ميدان الاقتصاد، والذي جلب 3.4 مليار دولار في الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

ويقول الأستاذ الحلوي: واضح أن الكاتب يقصد أن الحكومة نهجت سياسة ليبرالية نسبيا في تحريرها للسوق وهو يشجع على مزيد من التحرير لهذه السوق باعتماد مزيد من الإصلاحات الجوهرية، لكن حذف المترجم لعبارة free marketمن ترجمته يغطي على كون الحكومة الحالية نهجت سياسة “السوق الحرة”، مما قد يشكك في انسجامها مع خطابها الإنتخابي المنتقد لليبرالية المحررة للسوق.

فيقول عبدُ ربِّه في ترجمتِه:لقد حصل هذا الفتور رغم اتباع مقاربةٍ لبيرالية نسبياً في النشاط الاقتصادي، مُعتمِدةٍ على اقتصاد السوق الحرة، استقطَبتْاستثماراتٍ أجنبية مباشِرة بمقدار ثلاثمليارات وأربعمائة مليون (3.4) دولاراً.”

مَهما يكُن مِن أمْرٍ، أنْ نلومَ المترجِمَ، كما فَعلَ الأستاذ الحلوي، على حذفِه عبارة ‘السوق الحرة’ مِن ترجمتِه فهذا مفهوم. ولكنْ أنْ نتّهِمَه بالقيام بذلك ليُغطي على “كون الحكومة الحالية نهجت سياسة ‘السوق الحرة’، مما قد يشكك في انسجامها مع خطابها الإنتخابي المنتقد لليبرالية المحررة للسوق”، فربما فيه شيء من التحامل الإيديولوجي.

7. خلاصة:

يقول الأستاذ الحلوي: ترجمة النصوص السياسية لا تكون بريئة دائما. والترجمة التي حلّلناها في هذا المقال ليست مثالا عن “الترجمة غير الدقيقة فقط” بل هي أيضا مثال عما يمكن أن ينتج عن هذه الترجمات غير الدقيقة من خبط في فهمنا لفهم الأغيار لنا.

ويقول عبدُ ربه: الترجمة، خاصةً منها السياسية، لا تكون بريئة أبداً. كما أنَّ قراءة الترجمة قد تكون سياسية جداً أحْياناً. وهذه الترجمةُ التي قرأها الأستاذ الحلويفي مَقالِه، كما تَبيَّن مِن تحليلنا السريع لتحليلِه، بكل موضوعية ترجمية وحِيادٍ إيديولوجي، رُبما كانت”غير دقيقة” في بعض الأحيان، ولكنَّ قراءته لها كانت بالتأكيد “غير دقيقة” في أغلب الأحيان.

*أكاديمي ومترجم

 

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



جريدة أصوات سيتي الإلكترونية :
لن تسمح جريدة "أصوات سيتي" مطلقا بنشر أي مادة تخرج عن إطار الأخلاق الحميدة والآداب العامة أو تتضمن تجريحا للأشخاص والأسماء والرموز والمقدسات، أو تمس بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش، وكل استعمال للكلمات النابية والخادشة للحياء أو المحطة بكرامة الإنسان سوف لن تنشر. وتحتفظ الجريدة بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي هذه الشروط، هذا وإن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن رأي الجريدة وخطها التحريري المشار إليه في ميثاق الجريدة.