اليوم الأربعاء 29 مارس 2017 - 18:13

قاضي قدور: حياة، حب وموت*

أخر تحديث : الثلاثاء 15 سبتمبر 2015 - 10:19 صباحًا
قيس مرزوق الورياشي | بتاريخ 15 سبتمبر, 2015

بجروح ثلاثة رأى النور:

جرح الحب،

وجرح الموت،

وجرح الحياة.

ميغيل هيرنانديث(شاعر إسباني 1942-1910)

في النص واللاّنص:

أن نكتب، معناه أولاً وقبل كل شيء، أن نترجم ما نفكره حول محيطنا المباشر، حول علاقاتنا مع الناس ومع الأشياء، وما نحسه دون أن نعرف بالضبط كيف نفكره ونترجمه.

أن نكتب، معناه أن ننتج نصاً. لكن، هل نحن حقيقة بحاجة إلى نصوص؟ إننا قد نترجم أحاسيس بهدف إنتاج المعنى، لكن، ألا يعتبر ذلك بمثابة تمرين فكري مازوشي، ذلك أن العملية تفترض إخضاع أحاسيسنا لاستنطاق-تحويل حقيقي بغرض الحصول على استنتاجات؟

أن نقول بأن النص هو استنتاج لهذا السفر الداخلي حيث الروح تمثل المستنطِق والمستنطَقَ معاً، فتلك هي قمة خيانة الترجمة، ذلك لأن كل استنتاج أو خلاصة هو اختزال، وكل اختزال هو تصفية.

هذا اللّانص أريده متعدداً، أريده إخراجاً متداخل الأعماق لنصوص صغرى microtextes لن تتمكن أبداً من تلبية رغبتنا في رؤية نسيج متواصل من المعنى حيث الأطروحة ونقيضها وتوليفها توهمنا بأننا نملك هذه المعرفة السحرية، هذا المفتاح الوحيد القادر على الاستجابة لنرجسيتنا وعطشنا إلى السيطرة الرمزية.

قدور غير قابل للترجمة، وروحه كذلك. محاولة ترجمته تعني محاولة لتلخيصه، لتنصيصه، لتبسيطه، لتصفيته.

في حروب التصفية الفيزيقية (أي في جرائم تصفية الإنسان homicides) في كل زمان، نستعين بجثث الآخرين لنقي أنفسنا من رماح أو رصاصات العدو. وفي حروب التصفية الرمزية (أي في جرائم تصفية الأرواح spiricides)، نستعين بأرواح الآخرين لمواجهة العدو.

أعترف أن مقاومة سيكولوجية غير عادية كانت وراء رغبتي في إزالة الطابع النصي عن هذه النصوص الصغرى. إذ كيف يمكن لي أن أحوّل صديقاً إلى نص. الصديق، هو الذي كان، وبما أنه ليس بكائن الآن، فهو غير كائن. أن أحوله إلى نص، معناه أن أحنطه، أن أضيف عليه طابع الأسطورة. إننا لا نحنط الآخرين إلا بهدف استعمالهم وإعادة استعمالهم… بهدف خوض معارك رمزية. هذه هي حجة مقاومتي ورفضي: بالأمس، كان قدور، هكذا كما ترِنُّ الكلمة؛ واليوم، هو نص، يا للسخرية!

بالرغم من اعترافات البداية، فإن كل منتج لنص يرمي إلى شيء واحد: تضليلنا. كل نص هو تعبير عن انبثاق استراتيجيا فردية أو بين-فردية (النص الجماعي لا وجود له) لا تُورِّط إلا صاحبه. وحتى النصوص الأكثر إثارة للدقة والاحترام (مثلاً، النصوص القانونية) فهي معرّضة لقراءات متعددة، وبالتالي للخرق والاختراق.

أنا أكتب (إقرأ: أنا أنتج نصاً) لمتعتي الخاصة، لإرضاء نفسي، قد يقول كاتب (خاص أو عمومي). أنا أكتب لأعذبك، لأضلّلك، لأهيمن عليك، لاستعمالك واستعمال الآخرين، لتحويلك إلى كلمات ونصوص من أجل السيطرة عليك والتحكم فيك، ذلك لأنه من السهل دائماً التحكم في الرموز أكثر من التحكم فيما يقابلها من كائنات ملموسة.

من يخاف النص؟ القاريء، طبعاً. كل قاريء؟ الرقيب، أولاً.

لا أحد يُعذَر بجهله للحياة:

إذا كان من الموت غالباً ما نحاول أن نخلق نصاً، والمؤرخون يعرفون ذلك أكثر من غيرهم، فإن الحياة هي أولاً وقبل كل شيء سياق وذريعة.

كل نص عليه أن يتبع سياقاً. وصديقي قاضي قدور، وهو يعي تماماً أنه سيتحول يوماً إلى نص، لم يكُف يوماً، منذ طفولته الأولى، عن الدعوة إلى فن الحياة وفن الحب.

فن الحياة: ليس هناك وصفة لكي تكون فناناً للحياة. لكن، هل كان من الضروري أن يزداد صديقي في الهامش ويُقْذَف به في هوامش الهوامش ليكتشف منذ الصغر هذه الموهبة السخية في تحويل الفقر والبؤس الذين ترعرع فيهما إلى ثروة استثنائية في الحب والصداقة والتعاطف؟

الحياة واحدة، عليك أن تعيشها أو لا تعيشها، فأنت الذي تقرر.

الحياة مسؤولية. الأطباء يعرفون ذلك جيداً. لكن، حتى نستجيب للحياة، على الشروط أن تتوفر. ماذا عسانا نقول إذن عن قدور الصغير، حيث الشرط الوحيد الذي توفر له للنجاة (فيزيقيا) كان هو الانتحار (رمزياً): أن يهاجر.

كل هجرة توجد وراء اقتلاع نتائجُه مرعبة. أن تعيش أو لا تعيش، أن تهاجر أو لا تهاجر، تلكم هي الأسئلة التي تنفلت لكل أنتروبولوجي يسعى لإنتاج نص رائع. الريف يُرغمك أن تعيش، تماماً كأي مشهد طبيعي في مغرب الأعالي المدفوع إلى الهامش. ليس لك اختيار: الحياة هنا إرغام: أنت هنا مرغم على الحياة!

بين الحياة كمسؤولية والحياة كإرغام، هناك حتماً مسافات. أن تضمن نفسك من المرض، من الحوادث أو حتى من الموت؛ وأن تكون لديك تربية من النوع الرفيع وتتقاسم، في كنف عائلتك، كل راحات الحياة العصرية؛ ذلك ما يحلم به كل طفل وكل أب وأم قادرين على الحلم، أي أنهم يملكون وسائل القدرة على الحلم. الحياة كمسؤولية تستدعي الآباء أن يدبروا بوسائلهم الخاصة حياة أبنائهم وحياتهم هم أنفسهم.

عندما يكون المناخ المحلي، الطبيعي والسياسي والاجتماعي، لا يسمح بأي تدبير “عقلاني” للحياة، بمعنى لتحمُّل مسؤولية الآخرين (المقصود هنا حياة أطفالنا)، لن يتبقى غير بديل واحد: أن تعيش مرغماً.

الحياة كإرغام تتطلب روحاً فنية عظيمة، وككل فن، فالحياة هنا تنفلت لكل تدبير “عقلاني”. الفكاهة ربما هي الجزء الأكثر مرئية من هذه العوالم المهمشة، والسخرية تمثل أحسن تعبير عن الدفاع والاحتقار: الدفاع عن النفس واحتقار الآخر؛ هذا الآخر الذي يرغمنا على التقوقع في براثين بؤسنا. الآخر، هذه المفردة العزيزة على صديقي قاضي قدور منذ أن أنجز بحثه لنيل الإجازة: “الآخر” في رواية نجمة.

عندما تكون الحياة إرغاماً، نكون أقرب إلى الطبيعة منه إلى الثقافة، بمعنى نكون أكثر إنسانية من الآخرين. هنا يتخذ مبدأ تكافؤ الفرص كل معناه: الكل يمكن أن يصل ولا أحد يمكن أن يصل، تماماً كالحيوانات المنوية.

في هوامش البؤس، كل واحد عليه أن يكون فناناً حسب هواه. الناس عندنا تتذكر جيداً الحاج أرتيستا (الحاج الفنان)، هذا التاجر الصغير بمدينة مليلية الذي جمع في نفس الوقت بين الفقر والغنى، وبين الحكمة والفكاهة. لكي تعيش، عليك أن تكون فناناً.

في هذه المناطق “النائية” حيث رفضُ الهجرة يعاقب الناس بقساوة، فإن اللجوء إلى الثقافة واللغة يصبح ضرورة لمزيد من دمقرطة فن الحياة. هنا، لا أحد يعذر بجهله للحياة.

حب، تواصل، مؤسسة:

لكي نحب، علينا أن نتواصل: أن نقول لمن نحب: أحبك، أو ما ماثل ذلك؛ وأن نقول للآخرين: إني أحب، أو ما ماثل ذلك.

الحب معلومة، ذلك أن كل تواصل يتضمن بالضرورة معلومة أو عدة معلومات. عن طريق التواصل الجسدي، نمرر روائح، طاقات، كما نمرر أيضاً الحيوانات المنوية التي، عندما تلتحق بالبويضة، تولّد وتعيد توليد الحياة ومعنى الحياة.

أن تحب، معناه أن تتواصل. لكن فعل الحب هو فن أولاً وقبل كل شيء. وبما أنه فن، فنحن لا يمكن أن نحب قليلاً أو كثيراً. إننا نحب بطريقة جيدة أو بطريقة سيئة.

الحب، هو ذاك الشيء الذي نقوم به يومياً، بطريقة جيدة أو بطريقة سيئة، والذي نتحاشى الحديث عنه. صديقي قاضي قدور كان يتكلم كثيراً عن الحب لأنه، بقوة حبه الفائق للحياة، للذات وللآخرين، كان غالباً ما ينتهي في عتامات “عاطفية” حيث انعدام التواصل يقوم بتعويض التواصل، وحيث الحب يتحول إلى أزمة حب.

عندما يُمارَس الحب جيداً، معنى ذلك أن التواصل وارد والمعلومات تتدفق في كل الاتجاهات: فنحن نحب الأم، والأب، والأبناء، والزوجة. اللائحة هنا ليست شاملة، إذ يمكن أن نحب، بنفس القوة، ولكن بطريقة مغايرة، أصدقاءنا، وقريتنا، وبلدنا، ومختلف ارتباطاتنا…

أزمات الحياة غالباً ما تكون نتيجة انقطاع مفاجئ في تدفق كثيف للمعلومات، حيث ذاتُ الحب تفشل في الاستجابة لانتظارات موضوع الحب. ماذا عسانا يمكن أن نقول في حب الزوجة (أو الزوج) عندما تكون (أو يكون) غير قادرة (أو غير قادر) على ربط علاقات صداقة إضافة إلى علاقات ذكر-أنثى المنظمة مؤسساتياً؟ إن من يبحث عن الرضا في الحب كمن يحاول جعل الحب فناً.

التواصل الوحيد الممكن بين رجل وامرأة منظمان مؤسساتياً هو التواصل الجسدي، وكل تواصل آخر من صميم فضاءات توجد خارج أسوار الزوجين. في أزمات الحب الزوجي، غالباً ما يكون فائض تدفق معلومات منقول إلى مواضيع أخرى للحب (ليس بالضرورة في تواصل جنسي) وراء وضعية قطيعة لا يستطيع جبرها إلا معلم-فنان.

الحب هو بالضرورة متعدد، ذلك لأن الإنسان يرفض دوماً البعد الواحد للحياة.

الحب فصل وتمييز، صحيح، لكنه في ذات الوقت تعدد وتنوع وخصوصية: موضوع الحب يمكن أن يتغير من إنسان إلى آخر، غير أننا بإمكاننا أيضاً أن نحب مهنة، فكرة مثالية، هدية، إلخ. لكن، بما أن كل مؤسسة تقدم نفسها كموضوع الحب الوحيد الممكن، فإن كل تنقيل للتواصل الحُبّي يتضمن عناصر المواجهة.

الحب هو أيضاً طريقة لتنظيم الوقت والطاقات الضرورية لحدوث فعل الحب. بهذا فإن معلم-فنان الحب، أي الإنسان المتعدد الأبعاد، هو ذلك الذي يعرف كيف يلتزم وكيف يوظف بحرية طاقاته في استراتيجيات بناءة. هنا مرة أخرى فإن حب لغتنا وحب ثقافتنا، تماماً كحب الأم وحب الأرض، ينتصب ضد كل استيلاب مؤسساتي.

نحن لا نحب أبداً المؤسسة. المؤسسة هي التي تحبنا.

من اللغة إلى السياسة:

صديقي قاضي قدور كان أكثر ارتباطاً بأمه منه بأبيه، بالرغم من أنه كان يحبهما كلاهما. كان أيضاً أكثر ارتباطاً بلغته منه بالسياسة. نتيجة لذلك فقد كان من المثقفين القلائل الذين فضلوا الكلمة (parole) على الخطاب (discours)، واللسان (langue) على اللغة (langage)، والعلم على السياسة، والحب على المؤسسة.

نكتة:

خلال طلب قدمته لتجديد جوازي، طلبت مني “الإدارة” أن أحضر إلى إحدى مكاتبها مع الإشارة إلى جملة معهودة: “لأمر يهمك” (إقرأ: يهمها!). وعندما كنت في الموعد، سألني موظف “مكلف” عن انتمائي السياسي: أجبت بأنني لا أنتمي إلى أي تنظيم. وبدلاً من أن يسجل الجواب، أعاد السؤال بصيغة أخرى، استنكارية هذه المرة: “شوف تشوف”! أجبته بنوع من الجدية الممزوجة بالفكاهة: حسب علمي، إلى حد الآن لا أنتمي إلى أي تنظيم، ولكن إذا اقترحت عليّ انتماءاً ما، سأدرسه!

كما أنه لا جهل بقانون، يبدو أنه لا يمكن لمثقف إلا أن يكون متحزباً. وهذا هو مغزى نكتتنا.

بالتعريف، المثقف هو ذلك الذي يتكلم أقل من الآخرين ولكنه ذاك الذي يُستمع إليه أكثر. وعياً منه بقوة المثقف، فطفل الهامش الفقير رفض التخندق منذ البداية في المؤسسة السياسية، أمُّ كل المؤسسات. قوّته كمثقف غيرت المعادلة: جعل السياسة الثقافية بديلاً استراتيجياً للثقافة السياسية المهيمنة في مركز السلطة.

مرة أخرى يتحول حب اللسان إلى طاقة لا تنضب، ليس للاستجابة لأنانية أكاديمية، ولكن للعودة إلى الهامش النائي المتروك لمهربي البشر والمخدرات والمتاجرين في النفوذ.

المثقف هو أيضاً ذاك الذي يفكر ويعمل. على مستوى التفكير، نشأ وعي مبكّر لدى صديقي قاضي قدور: إتقان لغة الآخرين من أجل فهم أعمق للغة الذات: إذ اللغات العربية والفرنسية والإسبانية والإنجليزية كانت بمثابة العدّة اللسنية التي مكنت صديقي من دراسة لغته الأمازيغية بعمق علمي، ابتداء من البحث الذي قدمه لنيل الإجازة وصولاً إلى أطروحته لنيل الدكتوراه، مروراً بمقالات ومداخلات علمية كثيرة. على مستوى العمل، فإن الإخلاص التام لعمله في الفضاءات الجمعوية بالريف وفي فضاءات أخرى في المغرب كما خارجه، جعلت منه مثقفاً للشعب جديراً بأن يراكم هذا الرأسمال الرمزي الغني بالطاقات والحب والفكاهة.

فكاهة وسخرية، وجهان لعملة واحدة هما ذاك السلاح الذي به تدافع الثقافة الشعبية عن نفسها. نفس الفكاهة والسخرية مثلت السلاح الأمثل لصديقي قاضي قدور في نقده لعقم المؤسسات، وبالخصوص المؤسسة الجامعية، وفي بنائه لتصنيفات الحياة اليومية للبرجوازية الصغرى، المبتذلة وبلا معنى.

مثقف أنت؟ لا، شكراً!

لا يمكن للمرء أن يكون مثقفاً، بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، وهو جزء لا يتجزأ من هذه الطاقات العظيمة المدفوعة إلى الهوامش. وحتى عندما تحاول المؤسسة أن تميزك عن طريق حبها لك (بتبنّيك وتكييفك مع عالمها)، فإن وضعية انتمائك إلى جماعة مفروض عليها أن تتمسك بك كما تتمسك بالحياة (كان قدور يعيل ثلاث عائلات إضافة إلى التزاماته الجمعوية) يجعل منك بالضرورة مثقفاً من عيار آخر، مثقفاً خصماً للمؤسسة بالضرورة.

هذه الطاقات العظيمة المدفوعة إلى الهامش هي في الحصيلة بركان نائم، وهذا النوع من المثقفين الذي هو قدور وأمثاله ليسوا سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد.

الموت ليس سوى نقطة انطلاق:

كان الموت دائماً مناسبة كبيرة لإنتاج نصوص. لهذا السبب بالضبط “رفضتُ” موت صديقي قاضي قدور خوفاً من أن يتحول موته (يتحول هو نفسه) إلى نص. النصوص الكبرى للمؤرخين الذين كتبوا عن الحضارات الكبرى لم تظهر إلى الوجود إلا بعد اختفاء هذه الحضارات، كما أن السّيَر الكبرى للحكام والأشخاص النافذين في جميع العصور لم تكن ممكنة إلا بعد موتهم.

صديقي قاضي قدور لم يكن من الرجالات العظيمة من النوع الذي حدثنا عنهم المؤرخون. كان عظيماً لأنه كان بسيطاً ومتواضعاً: لا بسياسي كبير ولا بثائر كبير. هويته التصقت بصورة البروفيسور الجامعيالمتفرغ للبحث العلمي وتأطير الطلبة ولحبه للثنائيةتمازيغت-تامازيرت. كان قدور قادراً مليئاً بطاقات متجددة، قادراً على الحب والإبداع.

وإذا كان اختفاؤه صدمةً لأولئك الذين عرفوه، فبالضبط لأن جزءاً من أحلامهم ذهبت معه. هل يتعين علينا إذن أن ننتظر 43 سنة (العمر الذي عاشه قاضي قدور) لكي ينتج فلاحو الريف أكاديميا ومثقفاً وعالم لسانيات من عيار قاضي قدور؟

الموت نقطة نهاية بالنسبة للكثير، واختفاء شخص يمكن تأويله بحسب المسافة التي كانت تربطنا بذلك الشخص وهو على قيد الحياة. كلما كان موت شخص يسمح لنا بإدامة بعض الأفعال وبعض الإيديولوجيات، كلما مِلْناإلى اعتبار موته نقطة نهاية.

لكن الموت لعدد كبير منا ليس سوى نقطة انطلاق، أو قل نقطة إلى السطر.

كل موت صادم، وكل صدمة تدفعنا إلى وعي شيء جوهري: كلنا موتى محتملون، أو موتى بالقوة، وبما أن الأمر كذلك، لنخلّد حب الحياة بكل الطاقات التي تحتويها: تجديد، إبداع، إخلاص…

قدور كان المثقف الذي أراد، والمثقف الذي قـدَرعليه، وبإخلاصه المعهود فيه لأصوله الفلاحية، عاد إلى عائلته الكبيرة، ولكن هذه المرة إلى الأبد.

بوست سكريبتوم (حاشية):

هذا نص كتيبتُه أصلاً بالفرنسية نُشر ضمن كتاب تكريم قاضي قدور بعد الوفاة. ولهذا الكتاب قصة:

بعد وفاة قاضي قدور، فكرنا، الأستاذ طائفي ميلود وأنا، في صيغة لدعم عائلة قدور مادياً. كانت الصيغة التي اتفقنا عليها هي جمع مقالات من عند مجموعة من الأساتذة الأصدقاء وطبعها في شكل كتاب يخصص ريعه لدعم الأسرة. وبالفعل، قمنا بالعمل وأشرف الأستاذ محمد الشاد، الذي كان آنذاك عميداً لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس، على طبعه على نفقات الكلية على أساس أن يخصص مبيعات الكتاب كاملة لدعم أسرة الفقيد.

قمنا بتوزيع الأدوار: تكلف الأستاذ طائفي بالاتصال بكليات الآداب، بينما تكلفتُ أنا بالاتصال بالجمعيات الثقافية الأمازيغية (التي من المفترض أنها قريبة من روح الراحل قدور). قمنا بمراسلة أولى تتضمن فهرس الكتاب ومطبوعاً للحجز المسبق لنسخة واحدة أو أكثر. تلقى الأستاذ طائفي عدة إجابات إيجابية؛ أما أنا، فمن ضمن لائحة تشمل أربعين جمعية أمازيغية من الجمعيات الأكثر حضوراً ونشاطاً في المغرب، فلم أتوصل بأي رد على الإطلاق.

وعندما أصبح الكتاب جاهزاً، أعدنا نفس المراسلات على أساس أن الكتاب جاهز للاقتناء. أقبل أساتذة وطلبة كليات الآداب باقتناء الكتاب بكثرة. أما عن مراسلتي الثانية للجمعيات “الأمازيغية”، فلم أتلق، من أصل أربعين جمعية أعدتُ مراسلتها، إلا جواباً واحداً من عند “الجامعة الصيفية” بأكادير. الجواب نص على طلب اقتناء 20 نسخة. قمت بإعداد رزمة من عشرين نسخة وأرسلتها إلى الجمعية المعنية. بعد أسبوعين توصلتُ بإشعار من عند شركة النقل مفاده أن الرزمة ظلت أسبوعين في الوكالة دون أن يطالب بها أحد! وكانت حصيلة تضامن المجتمع المدني هي ناقص 300 درهم (150 درهم رسوم الإرسال، و150 رسوم إرجاع الرزمة المرسلة من فاس إلى أكادير).

ربما كان للمجتمع المدني رأي آخر إذعَرَض عن التضامن الفعلي (الذي يمثل جوهر العلاقات الإنسانية) واكتفى بتحويل قاضي قدور إلى خطاب وأيقونة لحركة غير واضحة المعالم ما تزال تتلمس طريقاً لها، دون أن تدرك المعنى العميق للقضية التي ناضل من أجلها من ترمز إليه هذه الأيقونة!

*كلمات مهداة إلى روح أيقونة العمل الثقافي-الأكاديمي لأمازيغية “الريف”، البروفيسور قاضي قدور، بمناسبة مرور 20 سنة على رحيله (15 سبتمبر 1995 – 15 سبتمبر 2015)

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



جريدة أصوات سيتي الإلكترونية :
لن تسمح جريدة "أصوات سيتي" مطلقا بنشر أي مادة تخرج عن إطار الأخلاق الحميدة والآداب العامة أو تتضمن تجريحا للأشخاص والأسماء والرموز والمقدسات، أو تمس بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش، وكل استعمال للكلمات النابية والخادشة للحياء أو المحطة بكرامة الإنسان سوف لن تنشر. وتحتفظ الجريدة بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي هذه الشروط، هذا وإن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن رأي الجريدة وخطها التحريري المشار إليه في ميثاق الجريدة.