اليوم الثلاثاء 17 يناير 2017 - 15:06

قصة قصيرة: أحزان لا تتجزأ

أخر تحديث : الخميس 26 مايو 2016 - 10:53 صباحًا
بقلم: ذ/ حسن فرحـــــو | بتاريخ 26 مايو, 2016

مهداة إلى أوفى صديق “عمر بيجــــو”

أنظر إلى ساعتي اليدوية، أعدل من هندامي، ثم أحدق صوب الأفق… أسمع أزيز السيارات، وخطوات المارة… ينتظم بداخلي إيقاع متحد.

دور الطين في بني  انصار الشامخة -، تتلاشى وسط جراحات التجميل المستمرة، فتتحول هذه المنازل المبعثرة الى غابات أسمنت، وتعلو في بداية الحي البنايات الشاهقة، في غياب البنى التحتية… تحول خط الحافلة، رقم تسعة عشر (19)، الذي يمر بمنتصف الطريق الى طرفي الحي، أقيم سوق للخضر والفواكه بعد طول انتظار، كما أقيم كشك لبيع الجرائد والطوابع البريدية…

بينما جلس عمي ادريس القرفصاء تظله الدوحة الصامدة، وهو فلاح الحارة منذ أن عرفناه، ورغم التضاريس التي خلفتها السنون على محياه المستميت، ما زال يصارع الفأس والمحراث… لم يعد الصغار يمرحون ويلعبون، بعد أن تفاقمت المشاجرات المفتعلة بين الأسر بسبب الصغار، مما أدى إلى قطع حبل العلاقات الودية بين العائلات حتى اشعار اخر…

وسط هذا الفعل المتغير في بنية الحي، بل أضحى أمرا مألوفا قعود جماعة من المتقاعدين في نهاية رأس الدرب، يثرثرون بأحاديثهم اللاذعة، يلعبون الورق ثم يتهامسون عند مرورك بجانبهم الى ما بعد صلاة العشاء التي يؤدونها جماعة، ثم يستغفرون الله، ويسبحون بحمده…

في هذا الصباح الباكر، الأمور ليست عادية، خيمة واسعة، منتصبة في الساحة المحاذية لمنزل “الحاج حمو”. أنوار الزينة تمتد إليه، والبالونات المزركشة منتظمة في شكل رائع، كل هذا يؤكد عظمة الحفل، والجميع يمنون أنفسهم بحفل بهيج مثل هذا، لأن العريس تاجر من ذاك السوق…

صرخات عالية تنبعث من منزل “عمي ادريس”، يهرول الأطفال، تركض النساء، يتجمع الرجال… العم ادريس مات…؟

حملقت في وجه الدوحة الصامدة، مثل ملامح “عمي ادريس”، وأجهشت بالبكاء…

ارتفعت الخيمة أمام المنزل المتهدم، وحمل نعش “عمي ادريس” الى مثواه الأخير…

الحفل قائم بمنطق العريس الذي خسر الجهد والمال، ودعا الأحباب والأصدقاء. فكيف يلغي كل هذه الالتزامات..؟ ولكن “الحاج حمو” بنبرته الحادة تلك، قال “أنا لا يعنيني موت أو حياة العم ادريس، بقدر ما أخشى ما ستطلقه ألسنة الحارة النارية من قذائف ضدي” هؤلاء الأوباش، ماذا أفعل معهم؟

في الأخير انتصرت إرادة العريس…

يتسع الحزن لأكبر مساحة دائرة ممكنة… ويتجاوز أوتاد الخيمة الدوحة… الأحذية المتراصة، وهي جديرة بمنحك الشعور بالانقباض، لفائف الدخان، تزيد من مساحة الكأبة … الأزقة من الجهة الأخرى تعج بالسيارات الفارهة… تختلط رائحة العطور الفاخرة بالتبغ الرفيع، وأحيانا بالخمرة المعتقة…

نحيب النسوة يخالط زغاريد النساء المجلجلة… “يا جماعة كيف تقيمون حفلا والرجل قد مات؟ الجميع  يراقص ليلاه.. أصوات أرهقها الشراب المفرط.. أخرى ثملة تترنح، وينفعل أحد الأعيان…

تريدون أن تفسدوا الحفل أيها الأوغاد…”، ثم عقب عليه أحد المدعوين، وصاح “أنتم تفضلون الفرح المقام على أنقاض الموتى، وتقدمون دماءهم شرابا لأعراسكم…” ثم يكشف لهم بمنتهى الصراحة معايب مخزية، جعلت نساء الحي يسترن خفية، ويتلصصن من وراء حجاب.

اشتد العراك، تُبودلت  الكراسي مثلما تبودلت القبلات لحظة انطفاء النور… تهشم الزجاج، وتفرقعت البالونات وتعالى الصراخ، النساء يولولن، والرجال يزبدون، والعصي تتساقط على الرؤوس الفارغة. كان – حقا – حفلا صاخبا… تفرق الجمع وأسدل الستار، الخيمة بدت صامتة وهادئة، وانطلق صوت الأذان لصلاة الفجر./.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 1 تـعـلـيـقـات



جريدة أصوات سيتي الإلكترونية :
لن تسمح جريدة "أصوات سيتي" مطلقا بنشر أي مادة تخرج عن إطار الأخلاق الحميدة والآداب العامة أو تتضمن تجريحا للأشخاص والأسماء والرموز والمقدسات، أو تمس بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش، وكل استعمال للكلمات النابية والخادشة للحياء أو المحطة بكرامة الإنسان سوف لن تنشر. وتحتفظ الجريدة بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي هذه الشروط، هذا وإن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن رأي الجريدة وخطها التحريري المشار إليه في ميثاق الجريدة.


  • 1
    عمر بيجو قال:

    شكرا للصديق حسن فرحو على الاهداء, وقيمة الهدية لا يمكن اكتشافها الا بقراءتها , والسفر في أعماقها , والوقوف على مستويات أبعادها , والتماهي مع ايحاءاتها , عمق فلسفي , يقابل بين المتجزء والمتحد الذي لا يتجزأ, تفاعلات الواقع بكل ما يحمله من تناقضات تشكل صورة تراجيدية , تتداخل فيها المأسي والمسرات ,والظاهر الذي لايعبر عن الباطن …تتجزأ الوقائع وتتعدد وتختلف وتتناقض ولكنها تغذي شعورا بالحزن ككل متحد لا يتجزا , معنى يحيل على التصور البرجسوني للشعور الذي اعتبره ديمومة وتيارا متدفقا غير متقطع , مثل مياه نهر متدفق…وحدة شعور ينتقل من حالة لأخرى تختلف عن الأولى ولا تتجزأ , هي استمرار متجدد …كتابة متموجة بالمعنى , هذا الأخير الذي لا تجسده الوقائع والأحداث التي يتضمنها النص , بل الذي يؤسسه الشعور الناتج عن هذه الوقائع,ويضمن وحدته ,فالكتابة في العمق تتوخى التعبير عن الشعور ازاء الأحداث ولا تقف عند مستوى وصفها…ان عمق المعنى وتعدد مستوياته , جعل النص مستفزا ومغريا ليس بالقراءة فقط , بل بالكتابة أيضا….