اليوم الجمعة 20 يناير 2017 - 14:02

مـدينة المـلل والنفـور

أخر تحديث : الأربعاء 22 يوليو 2015 - 4:46 مساءً
بقلم ذ.محمادي راسي                             | بتاريخ 21 يوليو, 2015

مدينة الملل والنفور والجمود والتكرار والاجترار، بعيدة عن الإبداع والاختراع والتجديد والابتكار.

قيل: مللت كل قديم حتى مللت حياتي // إن كان عندك شيء جديد فهات (ي)

(كل قديم جديد، وكل جديد قديم، كل جدة ستبليها عدة، لا جديد لمن لا خلق له، ولا جديد تحت الشمس).

إن المجالس السابقة والحالية لم تف بوعودها التي سطرتها في برامجها الانتخابية، بل أخلفتها ــ ومن آي المنافق إذا وعد أخلف، وآفة المروءة خلف الوعد، وآفة الحديث الكذب، وآفة العلم النسيان ــ لذلك لم تحقق ما كانت تصبو إليه، وما كانت تنوي القيام به، لأجل الرفع من قيمة هذه المدينة، والسير بها قدما نحو التقدم والرقي، لأنها فشلت في طريقة التسيير، وكيفية التكيف مع الظروف بالجدية والحكامة والتريث والتبصر،  فنهجت نفس الأفكار في تدبير أمور هذه المدينة منذ أمد بعيد، نفس التوجه، نفس النمط، لأنها خلف سوء، إلى أن مللنا من سوء التسيير والتدبير، ومن الرتابة والروتين، والوعود والتسويف والتماطل، وبناء القصور في الخيال، والخلل في طريقة ترشيد النفقات، مدينة لا جديد فيها، فكريا وثقافيا وفنيا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا وصحيا ورياضيا وعمرانيا… كثيرة الهدم والترقيع، قليلة الإصلاح والهيكلة والتحديث، جامدة مشلولة تسير إلى الوراء، تعمها الفوضى وعدم الانضباط، كأننا في ضيعة بدون رب وناطور، تمشي خبط عشواء، لا تحترم القوانين لأنها تجهل القانون، ماحلة الأخلاق، قاحلة الثقافة، لأنها لا تتوفر على مكتبة عامة، لممارسة القراءة  للانفتاح على العالم الخارجي، لتزداد علما وثقافة وأخلاقا، قليلة الحركة لأنها لا يتواجد بها ملاعب لكرة القدم وغيرها، للقيام بحركات رياضية مختلفة منظمة محكمة، لذلك تلجأ إلى حركات فيها فوضى وشغب وصخب ناتجة عن السموم القاتلة للجسم والعقل والنفس، وكثير من الناس يستغلون هذه الظروف، لكسب النجاح والربح للوصول إلى الكراسي للهيمنة والسيطرة على قيادة المدينة بالطرق المعهودة، بدون منازع ومعاكس ومشاكس، قليلة النشاط لأنها لا تتوفر على المسرح ودار للشباب، لاستثمار مواهبها الفنية، وإخراج طاقاتها ومكبوتاتها الدفينة، واختبار قدراتها الذهنية، نعم فيها مسرح جديد بدون قواعد وشروط، مسرح الفوضى والصخب والضجيج والمرج والهرج، والرقص على الخواء، إلى أن تصبح خوياء، وقد أمست وأصبحت وأضحت وما زالت، لذلك تعثر وتكبو وتزل وترجع إلى الوراء، ليس هناك من ينقذها، ولا يستطيع أن يرفع صوته، لمحاربة الفساد بأنواعه، لأنه باع صوته لمن لا يستحق أن يمنح له الصوت، ماذا تنتظر من الجاهل الأمي المتهور المنتهز المتعنت..؟ وهل يستطيع تسيير مدينة بجهله وأميته وتهوره وانتهازيته وتعنته؟؟، أزيد من خمسين سنة وهذه المدرسة في تدبير شأنها المحلي تعتمد على رواسب سيئة، وعلى مرجعية استبدادية إقطاعية، ومازال هناك من يتأثر بها، ويمشي على نهجها، كأنه يملأ استمارة، لا يمكن الخروج عن خاناتها، لأنه لا بديل ولا اجتهاد ولا إبداع، بل لا يفقه شيئا في القانون، ولا يعرف القراءة والكتابة، يلجأ إلى معاقرة أو مراقعة الخمرة إلى أن يصاب بالرقاعة والفشل، وهو السبيل الوحيد للهروب من عدم القدرة على تحمل المسؤولية التي أرادها بالغش والزور، وصرف الأموال الباهظة على الطماعين الذين لا تهمهم المدينة ولا الساكنة، ثم بعد ذلك يتألمون ويملون من حالة المدينة البئيسة، لذلك فمثل هذه النخب من المناخيب واليناخيب، هي التي جرّت المدينة إلى أن تعيش في أحوال متردية مملة منفرة، من زعارّة ودعارة وفسق… وتكون في أوضاع مزرية متدهورة منهارة، تشوبها الجنادع والجوائح والعجارف، تشكو الخيصان، تعاني الأمرين، وتقاسي المرتين، خلال الممنين، تعيش في الخرس والضرس والبؤس والشح والفيقر، واللتيا والتي، وفي دهر داهر، بينما أهل المسؤولية يترفلون يتنعمون، بما غنموا من الغنائم الباردة الهنيئة المريئة، الخضرة المضرة، وما جمعوا من الأزقة والشوارع والمكاتب، وأحيانا يستفزون… يستجدون… ويبتزون ثم يتظاهرون بالعفة والتواضع والنزاهة والطيبوبة… يملكون سيارات فارهة، يسكنون في الجواسق والفيلات و”الشالهات” بين الأخضرين والأخاضر الثلاثة، والأبيضين والأطيبين والأعذبين، وبين الرقص والأقداح والراح والبم والبض، وليسوا من أهل الأسودين، وإنما من أهل الأحمرين، لا يخافون من  الله، ولا يعتبرون من الأعميين، ولا يتعظون من الأيهمين، يسيرون على هذا النهج خلال الردفين، يظنون أن الأنهار دائمة الجريان، ويرددون: “بعدنا الطوفان”، والمدينة وقاطنتها إلى الجحيم. واليباب والتباب والخراب..؟؟؟ !!!.

لكل ما ذكر أعلاه  فهو قليل، وهو برض من عد، وغيض من فيض، وما خفي أعظم، لا تجد المدينة مخرجا من الأزمات التي ستصيبها بعد الاقتراع على جميع المستويات، حاليا ومستقبلا إن بقيت التشكيلات الجامدة الهامدة لا تدور ولا تجول في المدينة، لتطلع على ما يحدث فيها خلال الملوين، جير، تنام هادئة لأنها قدمت الطعام والمال وغيرهما، وهما بمثابة الأنسولين والبنيسيلين، وعندما يمحل الزاد، ويضحل القوت، ويضؤل المدخر، وتنفد البئر، وتجف الأنهار، تبحث تلكم الفئة عن القرقوبي والدوليو والسلوسيون… والهرويين والمورفين وو… لتنغمس في الرقص “والشظيح والرديح والتسنطيح” والفوضى والسيبة، وتصاب بالأمراض المزمنة والعقد النفسية… مقلدة تلكم التشكيلة التي هي الإسوة أو الأسوة والقدوة…؟؟!!!، ثم تميل إلى السرقة والقتل و”التشرميل”، لا تقوى على القيام بالاحتجاج، بل حتى النهوض والقيام لتمشي مستقيمة كباقي الورى، هذه المجالس السابقة والحالية بطرقها المتجاوزة ونحن في القرن الواحد والعشرين، لم تقدم أي شيء لهذه المدينة في جميع الميادين الرياضية والفنية والاجتماعية والصحية والثقافية… ولكنها في مجال المسرح قدمت لنا أشياء كثيرة كما ذكرت سابقا؛ الهرج والمرج والفوضى والقتل والتشرميل.

خلال الليل والنهار، كل شيء مباح ومتاح، المقاهي تتحول إلى الملاهي للقمار وغيره… إلى الفجر… والساكنة تحرم من حقها الأساسي وهو النوم بسبب الضجيج والصياح والشجار… والمسؤولون في التغاضي خلال ابني سبات..!!!. لكل ما ذكر وما لم يذكر تجنبا للهذر، هذه المدينة أصبحت وستصبح وستستمر عرجاء كسحاء كتعاء خرساء بتعاء، إذا أسندت الأمور إلى غير أهلها، فعلا؛ تكبو وتعثر وتجم، وتندب حظها العاثر، إلى أن أصابها التعس واليأس والبأس والبؤس والوخش والنجس والنحس، ولإنقاذ هذه المدينة، يجب أن يشارك الشباب المثقف الواعي في العمل السياسي الجاد، قصد تأطير وتوعية الناشئة على تحمل المسؤولية، والاهتمام بما يدور في المدينة، والاطلاع على أحوالها وظروفها وميزانيتها ومداخيلها واقتصادها، والتطلع إلى مستقبلها وحاجياتها، بالجدل والجدال والنقاش ــ على الدوام وليس في المناسبات وعند اقتراب الانتخابات ــ وعقد لقاءات وندوات تهم شأن هذه المدينة وهمومها ومشاكلها، وما حل بها من أزمات ونكبات ومنعلات وهداريس ودهاريس وقنازع، وهلم جرا ووصفا ونعتا وتسمية وترادفا… لأن ما يندى له الجبين اليوم، أن نرى شبابنا يعيش مهمشا بعيدا عن واقعه، وواقع مدشره وحيه ومدينته، بإقباله على تناول المخدرات والسموم، وممارسة القمار والفساد والسرقة والقتل، ونشر الرعب والفزع، والقيام بالضجيج والفوضى واللعب، ليل نهار، ثقافة الرجعيين المنتهزين، والسبب يرجع إلى سوء تدبير وتسيير شؤون المدينة، وبعض المسؤولين هم الذين يريدون هذه الحالة المزرية للمدينة، لأجل قضاء أوطارهم ومآربهم الخاصة، والوصول إلى مبتغاهم المنشود، ولا يهمهم فلان وعلان ولا الساكنة.

هذه المدينة تعرف فقط احتلال الملك العام؛ الشوارع والحدائق والساحات، وتلويث جوادّها وفضاءاتها برمي النفايات والأزبال فيها وفي أماكن أخرى، هذه الظواهر والمظاهر بالإضافة إلى الفساد بأشكاله، وتفشي الشيشة والمخدرات والقرقوبي وغيرها من السموم، تدل على فشل وضعف المسؤولين، الذين لا يستطيعون تحمل المسؤولية لعدة أسباب، فلا يستطيعون رصد وضبط وزجر وتغريم كل سلوك لا يخدم المدينة والساكنة.

أهذه هي المدينة وعمرها أكثر من قرن،؟؟.

كلاب ضالة كلبى،  منتشرة في أرجاء المدينة، تذكرني بأرجوزة السيوطي:

الكلب من لم يدر من أسمائه // سبعين موميا إلى علائه

ثم شرع يسميه فيما بعد:

من ذلك الباقع ثم الوازع // والكلب والأبقع ثم الزارع

والخيطل السخام ثم الأسد // والعربج العجوز ثم الأعقد

والأعنق الدرباس والعملس // والقرطب الفرني ثم الفلس..

الفساقيّ قاحلة ماحلة، فالنافورة ـــ حالتها  اليوم هي عبارة عن دائرة فقط ــــ  التي في ملتقى الطرق مأوى للمتسكعين وللكلاب، إذا مررت بجانبها فستشم رائحة البراز والروث والسرجين والبول، الحديقة عبارة عن فندق ينام فيها المشردون، وساحات للمقاهي تقتل الأخلاف المبغبغة بالكراسي والمقاعد، وأقدام الإنسان، وحوافر الحيوان، وتصبح ارض الحديقة من الخوالف، وهي أيضا مرحاض في الهواء الطلق، إن القط أنظف من الإنسان.

المستنقعات تفرز الناموس والذبان والمقامع والحشرات، الطرق جاخت مليئة بالحفر والهو، والأزبال في وسطها وجنباتها بسبب الإهمال، الأرصفة أيضا والحديقة مليئة بقشور المكسرات، من بندق وفستق، وبذور اليقطين ودوار الشمس، ومناديل ورقية ناتجة عن الجالسين في الأرصفة الخاصة لمرور الراجلين، إنها فوضى وتلوث ووسخ، فوضى في المشي والجلوس والأكل والشرب واللباس والتبول والتبرز، لذلك أفلت النظافة وثقافة المحافظة على البيئة والأماكن العمومية، إننا طرا نساهم في الحالة التي وصلت إليها هذه المدينة اليتيمة، ولم نقم بالوقاية والرعاية والمراقبة والاحتياط، لذا فإن العلاج صعب يحتاج إلى سنين.

ستظل هذه المدينة على نفس المنوال، وعلى نفس الإيقاع، ونفس النهج والوتيرة؛ التهريب، “الريفولي”، “التريبولي”، “التريكولي”، التخرويضولي”، “المقاتلات”، الشيشة، المخدرات، القرقوبي، الشغب القتل “التشرميل”، الكلام النابي الخرثيّ، الفوضى في الشوارع والأرصفة والمقاهي والحدائق والمنازل وغيرها، لغياب الثقافة العامة والخاصة والشعبية، والإيثار واحترام الغير، وثقافة التمدن والتحضر، والشعور بالانتماء إلى المدينة،  والوعي والأخلاق والإبداع والتجديد، الساكنة لا ترى أشياء جميلة في الحدائق والشوارع، ولا تذهب إلى معارض،  ولا تشاهد عروضا مسرحية، ولا مقابلات رياضية، للترويح والتنزه، وتجديد النشاط للقضاء على الرتوب، وأين الملاعب والمسارح…؟؟؟، فهي لا ترى ولا تسمع إلا ما هو مشين، تشمئز منه النفوس، وحتى الأطفال لا يستطيعون الخروج إلى الشارع، لأنهم سيتعلمون وسيتأثرون بما يرونه في فضاءات المدينة من مناظر مخزية مشينة، فالطفل اليوم يتعلم من الشارع، بيمنا الدور التربوي هو؛ على المدرسة أن تعمل على جعل الطفل هو الذي سيعلم الشارع، بتربية التمييز بين الخير والشر، وبين الحقيقة والرأي والوهم والكذب والسراب، وبث روح الحكم والمحاكمة، والاعتماد على الذات والنقد، نقد كل سلوك هجين أو فكر غير لائق، لا يمت إلى الإنسانية، ولا صلة له بالأخلاق النبيلة، ولا بتعاليم الشريعة الإسلامية السمحة.

فالمدينة مدينة الجمود والتأخر والتقهقر والفسق والفجور، والملل والنفور، لغياب الحزم والضبط والانضباط والأمن، ولتفشي ثقافة “معليهش”، والتغاضي عن المناكر والسلوكات التي ينهجها أهل المدينة؛ أي نحن جميعا، وأهل المسؤولية والشأن المحلي، و”الإنسان مقياس كل شيء” كما أعلن بروتاغوراس.

وبعد، هذه المدينة بقرة حلوب، شخلوها إلى أن أصابها الخشل واللشو والتلاشي، فتلشلشت أحشاؤها، ثم  خارت قواها، انهارت أركانها، وهنت جنباتها، فقدت لونها وجمالها بسبب شتعها وشحوبها، وما يقترف فيها من آثام ومناكر، وتركوها جسما بلا روح وعقل، وعظاما بلا لحم، وجثة هامدة مشلولة، لا تقدر عن الحركة، وعربة بلا حصان، وسيارة بلا محرك، وطائرة بلا جناحين، وسفينة بلا شراع، وقطارا بلا سكة مستقيمة، عاجزة عن كل شيء عن المشي  والسير بسرعة جوا وبحرا وبرا، بعلة ما يقوله البعض حول اللغة: “سكن تسلم “، وما تقوله عامة الناس: “سبق الميم ترتح”، “دير عين الميكة”، “اللي خاف أنجا”، “شوف واسكت”، “هبل تعش أو تربح”، “كور واعط لعوار”، “سويرت مولانا” وو….

وأختم بما قاله جون هولت: “ليس علينا أن نجعل البشر أذكياء، فهم يخلقون كذلك، وكل ما علينا أن نفعله هو التوقف عن ممارسة ما يجعلهم أغبياء”.

إشـــــــــــــارة:

جميل جدا، أن نرى خلال هذه الأيام اختلاف المواطنين إلى مجالس في مختلف المقاهي، كحلقات الدرس في الكتاتيب القرآنية، والجامعات العتيقة، بجل، في اختلاف ائتلاف، صفة محمودة تطور الفكر بالنقد البناء، لأجل بناء بنيان متين، بأرضية متينة صلبة، وبحصن حصين، مع دحر كل سلوك خبيث نبيث هجين، والابتعاد عن التغابن والنبائث والخبائث، والتنابث والتباحث، لأجل إنقاذ هذه المدينة من الفساد والاستبداد، ومن الملل والنفور، وعدم الاعتراف بالآخر واحتوائه، وعدم تقبل آرائه، ومن كل ما هو سلبي، لا يخدم المدينة والساكنة والوطن، وما أحوجنا إلى مثل هذه الحلقات التي نرجو أن تكون على شكل ندوات، بمشاركة الشباب الذين هم مستقبل هذه المدينة وآمالها، لمناقشة وضعيتها، وحال الساكنة وما تصبو إليه، على الدوام والمواظبة والاستمرار، لإخراجها من هذا التقهقر والتدهور، وما تعانيه من أمراض مزمنة، وآلام موجعة، لا في المواسم والمناسبات، وعند اقتراب الانتخابات، لأننا سنكون انتهازيين حربائيين…. من أهل الهرج والمرج، وضياع الوقت في التفاهات والترهات والخزعبلات والسخافات والسلبيات…!!!.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



جريدة أصوات سيتي الإلكترونية :
لن تسمح جريدة "أصوات سيتي" مطلقا بنشر أي مادة تخرج عن إطار الأخلاق الحميدة والآداب العامة أو تتضمن تجريحا للأشخاص والأسماء والرموز والمقدسات، أو تمس بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش، وكل استعمال للكلمات النابية والخادشة للحياء أو المحطة بكرامة الإنسان سوف لن تنشر. وتحتفظ الجريدة بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي هذه الشروط، هذا وإن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن رأي الجريدة وخطها التحريري المشار إليه في ميثاق الجريدة.