اليوم السبت 21 يناير 2017 - 02:15

من وحي الحي “الحومة” 11 – الكلب اليتيم

أخر تحديث : الأربعاء 31 أغسطس 2016 - 12:13 مساءً
بقلم ذ.محمادي راسي | بتاريخ 31 أغسطس, 2016

أيقظني بعيد الفجر لعلاع أو أزيز الرصاص الذي أفزعني، جعل حيزومي يضطرب، وأنفاسي تختنق، وأحشائي ترتجف، وأطرافي ترتعد، وأصبحت بكينة سوء، ظننته زلزالا زارنا للمرة الثالثة أو الرابعة خلال الأيام المنصرمة، حينما رجفت الأرض، أو هي هزات ارتدادية بعد الزلزال، تثير فينا الرعب والفزع والاضطراب والقلق، وأطلب من الله أن يحفظنا جميعا من كل مكروه؛ من الزلازل والحروب والأمراض والجهل والفقر، والأمراض الاجتماعية التي يبتدعها الإنسان بنفسه، ولا يجد لها حلا حاليا ومستقبلا.

في اليوم الموالي استيقظت مبكرا كما في بعض الأحيان، نظرت إلى ما يسمى بالحديقة التي طالها الميز والحيف، ثلاثة أجزاء منها قاحلة ماحلة جرداء كأنها جردت فأصبحت جردا، وانتهكت حرمتها كما ينتهك الفضاء العمومي في أرجاء هذه المدينة التي لا يريد لها البعض أن تكون مدينة جميلة، بمواصفاتها التي تمنح لها التمدن والتحضر، إلا أن أهل الشأن المحلي منذ أن قلدوا مهام تسييرها، أرادوا لها الاحتضار والتوحش والبداوة والهمجية.

بجل، رأيت كلبا وحيدا بقي يتيما، يمشي برفق وبخطوات بطيئة كالحمار الذي فوق متنه حمولة ثقيلة، ينظر إلى الأرض كالخنوص وهو حزين، يطوف في الربع الخالي من الحديقة في الأماكن المعهودة، كأنه يتذكر أصدقاءه الذين كان يلعب ويتعاظل ويتهارش معهم، وهولا يدري أنهم رحلوا…، فالحيوان أيضا هو اجتماعي، يفكر يفهم يشعر يحس ولكنه عاجز عن النطق الذي هو ميزة الإنسان، وقد قيل قديما الإنسان حيوان ناطق، والكلب هو إنسان نابح، والكلاب بأنواعها وأشكالها تحدث عنها ووصفها الأدباء والشعراء، وقيلت فيها أمثال كثيرة، وقامت بأدوار سينمائية مختلفة في الإنقاذ والبحث والتفتيش وفي أدوار بوليسية كالكلب الوفي.

بالأمس كان يلعب ينبح يتخارش يتدافع مع أصدقائه، واليوم أصبح حزينا مفكرا في وجوده الذي أصبح عدما، بل حياته تافهة لا يحرك ساكنا، يمشي على الرصيف بترفق، لا يريد الحديقة ولا قمامات الأزبال، إنه يحس بالانعزال والانفراد والغربة، يلتفت يمينا وشمالا بحذر وتوجس، لا يفكر إلا في لعلعات الرصاص، يخاف من كل شيء، يهرب من الإنسان كأنه لم يكن أليفا صديقا مساعدا له في بعض الأمور بالنسبة للضرير في اجتياز الطريق، ولم يكن منقذا لحياة البشر تحت الأنقاض، وضابطا للمخدرات المخبأة بقوة شمه وحدسه والتي لا يراها الإنسان بالعين، سنة الله في خلقه، وقد خلق من كل شيء اثنين، إنه الكلب الضال الغريب اليتيم، وسيبقى غريبا وحيدا إلى أن يصل أجله، لا يثق في أي أحد، وسينظر إلى الإنسان دائما بنظرة مليئة بالحقد والكراهية، لأنه لم يهتم به بالرعاية والرفق واللين والحنان، لذلك لم يكن أليفا، فأصبح ضالا مفترسا فتاكا إلى أن أصبح يتيما وحيدا حزينا ،بغياب الرعاية والعناية والاهتمام، ونفس الشيء الذي يحدث للإنسان حينما يهمل بسبب التراخي الأخلاقي.

تيدك كلبا، ولكن؛ جسمك والكلاب…!!، والكلاب لها الحق كما أعلنته الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد الحرب العالمية، وهناك جمعيات للرفق بالحيوان، قديما وحديثا، والمجتمع الإسلامي له السبق في الرفق بالحيوان، وفي سورة الأنعام قوله تعالى جل جلاله: “وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم” صدق الله العظيم، ولكن لا بد من الحيطة والحذر من الكلاب الضالة والمسعورة، ومن دائها وكلبها وجنونها… كل كلب في حيه نمركما ينص المثل الهندي، وكل كلب ببابه نباح، سمن كلبك يأكلك، أجع كلبك يتبعك، وقال ج كلارك الكلب في بيته أسد، وختاما كما قي : كلب عس خير من أسد ربض، طبعا لا فائدة من أسد جاثم متلبد جاث، لا يتحرك ولا يجول، ولا يعرف ما يدور في حيه وحومته، كرجل كسول خامل، أو ربض عن الأسفار أو عن الحاجات، عاجز عن الخوض والمشاركة الفعلية فيما يحدث، ولا يهتم بشؤون منزله وحيه أو حومته وبالتالي مدينته، لا يعرف إلا أن يردد شعارات منمقة مزوقة مزخرفة منمنمة جوفاء في أيام الانتخابات لأسباب معروفة عند السماسرة، ثم بعد ذلك يخبو ويخفت  صوته، وتبح حنجرته، ويموت وهو حي، ويبكم ويصمت وهو يتكلم، ويصم وهو يسمع، يتحول من أسد في الهرج والمرج ، إلى كلب ذليل لا يستطيع العس والنباج والنباح، لأنه ليس بوفي وقوي، فيصبح يتيما غريبا كالكلب اليتيم، والكلاب على أصناف عديدة، وبغرائز فطرية وحيوانية، وبصفات متناقضة بين الصالحة والطالحة؛ من نافعة وضارة ومدافعة ومهاجمة ومنقذة وخادمة وأمينة ووفية وناقلة عبر الجر، ومفتشة ومنقبة بقوة الشم، وصائدة وعاضة وضالة ومسعورة، وتتحول من أليفة إلى مفترسة حسب الظروف والمؤثرات… تلكم سنة الله في خلقه.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



جريدة أصوات سيتي الإلكترونية :
لن تسمح جريدة "أصوات سيتي" مطلقا بنشر أي مادة تخرج عن إطار الأخلاق الحميدة والآداب العامة أو تتضمن تجريحا للأشخاص والأسماء والرموز والمقدسات، أو تمس بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش، وكل استعمال للكلمات النابية والخادشة للحياء أو المحطة بكرامة الإنسان سوف لن تنشر. وتحتفظ الجريدة بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي هذه الشروط، هذا وإن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن رأي الجريدة وخطها التحريري المشار إليه في ميثاق الجريدة.