اليوم السبت 25 مارس 2017 - 07:49

من وحي الحي “الحومة” 12

أخر تحديث : الجمعة 9 سبتمبر 2016 - 12:56 مساءً
بقلم ذ.محمادي راسي | بتاريخ 9 سبتمبر, 2016

“الحــــــــــــومــــــة”

الحومة بالعربية جمع حومات القتال: أشد موضع فيه لأن الأقران يحومون حوله /البحر أو الرمل وغير ذلك معظمه / حام حوما وحومانا الرجل: عطش/ وحام على الشيء دار به، وحوّم في الأمر: دوّم واستدار، والحوم الخمرة التي تدور في الرأس.

“الحومة” بالعامية الحارة أو الحي؛ /الحارة المستدار من الفضاء / والحي نقيض الميت /محلة القوم /البطن من بطون العرب / وأيضا نقول المدشر عبارة عن مجموعة من المنازل… “الحومة” تذكرني بمسرحية “أولاد الحومة” من مسرح الطفل، والحارة تذكرني برواية أولاد حارتنا وحكايات حارتنا لنجيب محفوظ الكاتب العالمي “نوبل” الذي نزل إلى واقعه إلى حارته وما يجري في الأزقة والشوارع “زقاق المدق” والمقاهي والحانات والخمارات  والخانات “خان الخليلي” وقد كتب معظم رواياته في المقاهي في الأيام التي كانت المقاهي لها هيبتها ووقارها، وكانت عبارة عن أندية وصالونات للأدب تلقى فيها قصائد شعرية، وتعقد فيها ندوات فكرية وسياسية بالمناقشات والحوارات، ولقاءات لأجل التواصل والتقارب والتعارف، والاطلاع على ما استجد من قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية، والجلوس في هدوء للتفكر والاستراحة والترويح والاستمتاع، ولقاء الأصدقاء والأقارب بعيدا عن أجواء المنازل المقيدة وفق حرمة المنازل، كانت بمثابة سوق عكاظ في الجاهلية التي كانت تجتمع فيها القبائل مدة عشرين يوما في شهر ذي القعدة، كان الشعراء يحضرون لإلقاء قصائد شعرية، أما بعض المقاهي اليوم، فهي مكان للهرج والمرج والضجيج واللعب، وقلة الحياء والمروءة والأدب… كما في “حوماتنا” أنى اتجهت وتجولت في مدننا شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، كأننا في سريالية جديدة، ومذهب اللامعقول، وبونكية حديثة، بسلوكات قبيحة وقحة ناتجة عن الفساد المالي والإداري والاجتماعي، والانحلال الخلقي، والتراخي الأخلاقي، وأخرى كالعنف الأعمى، والتشرميل والسرقة والقتل والسب والقذف والكلام الساقط النابي… ناتجة عن السموم القوية الفتاكة؛ كالقرقوبية والاكستاسيسية، ومخدر “لا فلاكا” الجديد الذي يتحول المتعاطي له إلى وحش مفترس ينهش اللحوم كالحيوان… فهل هذا تمدن وتحضر وتجديد وتحديث..؟؟ إنه همجية ووحشية وفوضى وسيبة وبدائية وحيوانية… إن حياة طارزان أفضل من حياة هؤلاء، فهو صديق لبعض الحيوانات ثم يبحث وينقب وينتقل من مكان إلى آخر للبحث عن الزاد والقوت، أما هؤلاء فلا يقومون بأي شيء، ولا يعرفون إلا الجلوس في المقاهي من الصباح إلى آخر الليل، وقضاء الوقت في ممارسة القمار، وتناول الشيشة وما يشبهها ولا يريدون العمل، كأنهم على مذهب الهيبية، حب الزهور والطبيعة وعدم العمل أو حياة النجومية و”لمسارية” وقد تؤدي أحيانا إلى “ميسيرية” و”كوميسيرية” “وكرثيلية”… يميلون إلى الراحة والدردشة والقمار والنميمة وتناول الشيشة بين آونة وأخرى في الحديقة، والخزر والمراقبة والجس والتجسس… وما شابه ذلك، شباب “ألا موض” و”أوبوض”…

ننام على ضجيج المقامرين في الحديقة، والمتسكعين في شوارع المدينة، وأزيز محركات السيارات والدرجات النارية، ونستيقظ على أصوات منبهات السيارات التي تريد العبور إلى مليلية المحتلة، بسبب الاستعمار الذي لا يريد أن يرحل عنها، ونحن في القرن الواحد والعشرين، وقد عاد طابور السيارات من جديد في هذه الأيام، ونستيقظ على روائح الأزبال المتراكمة المزكمة في مختلف القرن /بضم القاف/، والأمكنة والأزمنة والشوارع والأزقة، كأننا في أجمة خالية، وفي ضيعة مهملة.

نستيقظ على رؤية الخشارة والكناسة في الشوارع والحديقة؛ من قشور المكسرات من بندق وفستق ويقطين ونوار الشمس وجوز، والمكسر من الزجاج عمدا، ومناديل ورقية لمسح مخاط “التنفيحة” والمخاط… وقنان وقوارير بلاستيكية وزجاجية وعلب قصديرية، والورق المقوى بمثابة أفرشة ونضائد وحواش للمشردين والمتسكعين الذين ينامون في العراء، وتحت شجيرات الدفلى في الحديقة، وتحت الطنوف والشرفات، بالقرب من أبواب المنازل والمرائب والمستودعات والحوانيت، ونستيقظ على رؤية ما هو بشع كروث الحيوانات المنتشر المتناثر في مختلف الأمكنة، والبراز والخرء كأن جميع الأماكن مخارئ في هذه المدينة اللامدينة، واستمرار البغال إلى ما بعد العشاء في رعي العشب المسقي في الصباح بجوار الجالسين، لأنها  تجده غضا طريا وهنيئا مريئا… قيل بعيد تشكيل المجلس؛ قولا وكتابة؛ إن كل دابة رعت العشب في الحديقة ستتعرض للغرامة والحجز،؟!!… واليوم ترعى بجوار الجالسين، وأمام أنظار السلطات المحلية، فهل غض الطرف يعني اقتراب الانتخابات…؟؟!!!، وبعد ذلك قالوا سنعمل كيت وكيت، وسنفعل ذيت وذيت، فما عملوا كيت… وما فعلوا ذيت… ولا هذا ولا ذاك، وعود عرقوبية، وتسويفات تماطلية للتمويه والمراوغة، لربح الوقت وللاستمرار في  المهنة والهيمنة والسيطرة، للمحافظة على المصالح الخاصة، والتبجح بالسلطة وفعل ما يحلو لهم، بدون منازع ومراقب ومحاسب، يظنون بذلك؛ أنهم في ضيعاتهم سيفعلون ما يريدون… وكل فتاة بأبيها معجبة.

نستيقظ كأن عيوننا عمشت مليئة بالغمص والرمص والقذى الذي نغضي عليه بسبب الذل والخوف والخجإ والحلوان الذي هو عنوان العهد والالتزام، للنجاح والفوز والفلاح، إلى أن أصبحنا في وضعية الذي ما يمر ولا يحلي، وصارت الأمور قذى في عيوننا نحاول إزالته ولكن؛ كأننا خرئت بيننا الضبع، وفسا بيننا الظربان… وذلك ما يريده البعض لقضاء مآربهم بطرق شتى ذكية فذة، ثم شاذة خارجة عن القاعدة كبعض قواعد اللغة، لأنهم من الشذاذ والشذان والنفّيحين بكسر النون، وغرباء عن تقليد المهام، وبعيدين عن الأخذ بزمام الأمور، لتسيير شؤون المدينة تسييرا حسنا محكما منسجما  متوازنا مندمجا متكاملا، بالتشارك والتآزر والتشاور، ولا بد من النقد والفحص والبحث والتقصي والتحري والمحاسبة والمعاقبة، حينما تظهر اختلالات واختلاسات وخروقات… بينما الطبقة المثقفة المهمشة عمدا، غارقة في مناقشات فلسفية سوفسطائية بيزنطية ميتافيزيقية سوريالية بوهيمية بعيدة عن واقع مدينتنا، تاركة المجال للفوضى والسيبة، تاركة الميدان لتلعب الفئرة أدوارا كثيرة، لأن فضاء البيوت فارغ وخال، وقد خلا لها الجو لذلك تفعل ما تريد…

كل يوم يحل المتسكعون الجدد وبعضهم حمقى يتحدثون مع الهواء بصوت خفي، وتارة بصوت قوي، وفي السنوات السالفة عاينت واحدا يمشي إلى الوراء.. واليوم حل جديد متأبطا الجراب، والعصا بيده اليمنى، يهتف ويردد أهازيج خاصة به، تارة ينط، وتارة يرقص كأنه يرقص رقصة أحيدوس أوالكدرة…، أرى بعضهم الفاشلين في الوصول إلى ديار المهجر يريدون العمل، لقد أضناهم الكسل، وأخنى عليهم الدهر، وأهلكتهم الضناكة، لانعدام العمل، البعض يشتغل في الأسواق، يبيع الخضر والسمك، يجر العربات لنقل البضائع والخضر، والبعض يحمل سلالا لبيع بزور اليقطين، وبذور نوار الشمس والبندق والفستق واللوز، والبعض يحمل إبريق قهوة ليبيع القهوة في الطرقات والأماكن المزدحمة بالناس، إنه مقهى متنقل من إبداع الحاجة التي هي أم الاختراع، وفكرة حسنة ومستحسنة، وهي أفضل من السرقة والقتل والتسول، فاليد العليا خير من اليد السفلى.

متى ستكون “حوماتنا” جميلة هادئة، وشوارعنا نظيفة نقية خالية من الأدران والربغ؟؟ ،لأن ظاهرة التخريب منتشرة لغياب المراقبة، أين السلال التي كانت بالحديقة لرمي الأوراق والعلب وغيرها؟؟، وأين سياج ملاعب القرب؟؟…. حتى بعض الشوارع لا تحمل أسماء ولا أرقاما..!!! الشوارع تحتاج إلى أرصفة وإنارة قوية، بعض البقع خالية من العمران، عبارة عن مراغات للدواب، ومراع للأزبال والقمامة، هذه المظاهر والمناظر التي نمر بها يوميا، لا توجد في مدن أخرى، البغال والشاء ترعى في الحديقة، والمتسكعون ينامون فيها تحت أوراق الدفلى، وبعض العمارات تنبعث منها روائح الخمر كأنها مواخير وملاه، وأصوات مزعجة، سلوكات مقلقة تستفز الجيران أبطالها بعض العزاب الساكنين في العمارات.

بعض الأرصفة المرصعة بالأحجار المصقولة، تعرضت للكسر والتلف، فأصبحت مليئة بالثقب والحفر، وبعضها محدودبة، الراجل فيها يترجل كأنه يتخبط في مشيته كالغراب أو كالناقة العشواء، أو كأنه يمشي فوق العباب، وهناك شوارع لا تستطيع أن تمر بها، وأنت تذهب إلى السوق للتبضع والتسوق، أو إلى بعض المصالح الإدارية بسبب احتلالها من طرف بعض الباعة المتجولين، رغم أن السوق فتحت أبوابه في بداية هذه السنة، ولكن أصبح مهجورا عبارة من مستودع فقط، فما أحوجنا إلى ثقافة الضبط والانضباط…!!، الفسقيتان المتواجدتان بعقر الحديقة لا يتدفق منهما الماء، فما دورهما في وسط الحديقة..؟؟؟، الجهة المجاورة للمحطة والباشوية تحتاج إلى إنارة قوية، لا يستطيع المواطن أن يتجول في هذه الجهة من الحديقة ليلا، هناك أمور كثيرة نهملها وهي سهلة الإصلاح والعلاج، والسبب في ذلك سلوك الإهمال والإمهال والأنانية والنرجسية والجهل، وثقافة عدم الإصلاح وعدم الاهتمام، ولو بالأمور البسيطة..

وختاما؛ المدينة تكون بأحيائها النظيفة الجميلة، وشوارعها الفسيحة، وحدائقها الغناء، وعمرانها المنظم، ومساحاتها الخضراء، وساحاتها الفيحاء،  ومسارحها للفرجة، ودور السينيما لمتابعة أدوار وأطوار الرواية وأحداثها، ومكتبات للتثقيف والتحصيل ووو….

أجل؛ المدينة بأضوائها المتلألئة ذات الإنارة القوية التي تغطي جميع جهات المدينة، وبإشارات المرور للراجلين والراكبين؛ وفي المدن المتقدمة قبل الولوج إلى إشارات المرور الخاصة بالراجلين، ثمة مصابيح مثبتة في الأرض تضيء بالأخضر والأحمر، لينتبه الذي ينظر إلى الأرض، حينما يريد قطع الطريق، وهو يتحدث في الهاتف.

بجل؛ المدينة بساكنتها ذات ثقافة التمدن والتحضر والمحافظة على المصالح العامة والملك العمومي، ويقاس تقدم المدن بمدى تواجد العدد الكثير من المراحيض بها، مدينتنا مدينة بلا إشارات المرور ولا مراحيض ولا مكتبة عامة، ولا ملعب لكرة القدم ولا مركب ثقافي رياضي… ولا.

كي نصل إلى مستوى المدن المتقدمة نحتاج إلى قرنين أو أكثر، لقد مر أكثر من قرن من الزمن على ظهور مدينة بني انصار، وما زالت في طور التكوين والنشوء والارتقاء، وفي وضعية غير واضحة المعالم؛ هل هي قرية أم مدينة،؟ لأن مواصفات المدينة منعدمة… ونتمنى أن تخرج من هذه الوضعية المتردية المزرية؛ الفوضى /الضجيج /السيبة،/ السرقة / “التشرميل” / الانحلال الخلقي / مناظر مخجلة / مشاهد مخزية / غياب الوعي / الميل إلى الشر أكثر من الشبر / وأملنا وطيد في دور الجمعيات للدفاع عن الساكنة، ومساعدة الفقراء واليتامى، والقيام بالدور الاجتماعي والإنساني والثقافي والفني والرياضي، وأملنا وطيد أيضا في دور الأحزاب السياسية للدفاع عن الطبقة الكادحة، وتأطير الشباب بالتوعية والتنوير، لسبر أغوار المجتمع والدفاع عن المدينة والوطن، وتوجيه الشباب وجهة صحيحة سليمة ليقوم بدوره بالمبادرة والمشاركة، لا بالانزواء والهروب والانغماس في تناول السموم الفتاكة التي لا علاج لها حاليا ولا مستقبلا.. وبشعار؛ “ماعليهش”.

هــــــــــــامش:

بمناسبة عيد الأضحى المبارك باسم طاقم أصوات سيتي تحريرا وتصويرا، أقول لكافة المسلمين عامة، وللمغاربة خاصة، داخل الوطن وخارجه؛ عيد مبارك سعيد وكل عام وأنتم بخير، كما أشكر جميع القراء داخل المغرب وخارجه، وبهذه المناسبة أقدم تحياتي الحارة إلى السيد علي الهنطاري وإلى ولديه يونس ولقمان وإلى إخوانه ببرشلونة، وذات مرة لقيته صدفة ببني انصار بادرني بالتحية وهو يشجعني على الكتابة، حتى إنه يعمل على ترجمة مقالاتي إلى اللغة الألمانية ليقرأها ولده لقمان، ونعم الاسم لقمان الحكيم الوارد ذكره في القرآن، وأتمنى لولديه النجاح في مسارهما الدراسي والعملي، فشكرا جزيلا، وكذلك أقدم تحياتي الحارة إلى تلميذنا سابقا؛ المهدي لغموشي المتواجد بكندا لقيته صدفة وأنا أتجول في الشارع الرئيسي؛ شارع المسيرة الخضراء وقد تعرفت عليه بعد لأي وجهد وهو أيضا من القراء، وإلى جميع القراء المتواجدين بديار المهجر بألمانيا وبلجيكا وهولندا وإسبانيا وانجلترا ولا تحضرني أسماؤهم فمعذرة، وإلى جميع تلامذتنا بدون استثناء والأساتذة والأصدقاء.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



جريدة أصوات سيتي الإلكترونية :
لن تسمح جريدة "أصوات سيتي" مطلقا بنشر أي مادة تخرج عن إطار الأخلاق الحميدة والآداب العامة أو تتضمن تجريحا للأشخاص والأسماء والرموز والمقدسات، أو تمس بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش، وكل استعمال للكلمات النابية والخادشة للحياء أو المحطة بكرامة الإنسان سوف لن تنشر. وتحتفظ الجريدة بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي هذه الشروط، هذا وإن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن رأي الجريدة وخطها التحريري المشار إليه في ميثاق الجريدة.