اليوم الخميس 19 يناير 2017 - 12:52

من وحي الحي “الحومة” 6 – الورع

أخر تحديث : الإثنين 25 يوليو 2016 - 7:39 مساءً
بقلم ذ: محمادي راسي | بتاريخ 25 يوليو, 2016

حل بهذه البلدة الغريبة في السنوات السالفة غريبا بائسا يائسا، أهلكته بنات بئس، استيأس من الواقع فأصابته اليئاسة، لا يعرف أحدا، نزل طاوي البطن وقد أخناه الطوى، وزاده البون والنوى، وأهلكته مضغ الأمور، لا يفكر إلا في التنانير والقدور، لا يملك بلغة ليسد بها رمقه، ولا ذاق لواكا، ولا في جعبته لقمة وفرنك، بسبب الإنفاض البادي على هندامه ولباسه وهيئته من مؤشرات أهل البادية، كأنه “هداويّ مجدوبي” مقشرا متنحسا، ينتقل من مكان إلى آخر، من حي إلى حي، عله يجد عملا ليقوم بمهنته، ويحقق غايته، يبدو أمام الساكنين مؤمنا تقيا، وحنسا نقيا ــ بل حنشا خفيا ساما ــ وحنيفا متمسكا بدينه، وكلما حل رمضان إلا واعتكف في حانوته الصغير، يبدو للزبن إنسانا ورعا تقيا ثقة مؤمنا عارفا بالله، يسارع البعض ــ كعمل خيري وإنساني في شهر رمضان الفضيل ــ إلى تقديم فطور المغرب إليه يشمل كما هو مألوف عند العامة؛ الحساء “الحريرة” والتمر والزلابية، لينالوا الثواب والأجر من جهة، ومن جهة أخرى للحصول على استراتيجية المكان، للجلوس معه ليلا… للاستمتاع بجو الليل الرمضاني والاستماع إلى الأحاديث تارة…!!!، وماذا تنتظر من الرويبضة…؟ والانتقال إلى الدردشة تارة أخرى، و”التقشاب” في أغلب الأوقات، وتتبع عورات الناس إلى الفجر…!!!

مع مرور الأيام؛ وبعد أن اشتد عضده، وقوي ساعده، وانحلت عقده، وانفرجت كربه، وانقشعت غممه، وتبخرت همومه، وتيسرت أموره، أصبح برا سرا وفي سرارة، طفق ينسج علاقات، ويملك صدقات، تحول دكانه إلى مقهى للفاشلين، وناد للمتهورين الطائشين، ودار للشباب والأصدقاء للدردشة والتفكه، ومستودع للنارجيلة وأركيلة، وروض للأطفال، وزاوية يتردد عليها المريدون للطريقة الشيطانية المرشائية، ويختلف إليها الجائعون الذين لا يملكون قطميرا، يبحثون عن الخبزة العباسية، ثم يتحولون إلى أباليس بأعمالهم الخسيسة التي يتلقونها على يد الورع أبي مرة الأمرش الحنفيش، يلعب مع الشبان الكبار والأطفال الصغار في حانوته، والذين يتوافدون عليه من وقت لآخر، والعامة في غفلة وغرة، عما يقدم عليه هذا الورع التقي في حسبانهم المألوف، وظنهم المعتاد…. هذا الورع الخداع الذي أدبر غريره وأقبل هريره، وقد هره الناس، غادر الحي والحانوت، ولم يظهر له أثر، وقد استفاد كلما حل شهر رمضان بالتعويضات الغذائية مجانا… هذا زمن المكر والخداع والغش والتقية، انعدمت فيه الثقة، وغابت القيم النبيلة، وأفلت النية الصادقة الصافية الخالصة، لا يمكن أن تعقد فيه الصداقة والألفة، ولا أن تقوم بالتصدق على أي مسكين قد يبدو لك معدما، بدون أن تجربه وتراقبه، نماذج متعددة مرت بهذه “الحومة” وغيرها، مليئة بالنفاق والهروب والتهرب من أداء الكراء والدين، وسجلات أهل الدكاكين حجج ثابتة على عدم الأداء، وعلى تملصهم وفرارهم كالجبناء، علاوة على السلوك الخبيث النبيث، ولا تستطيع أن تثق في المتسول، لأنك قد تجده في شوارع وأحياء أخرى، بل في مدن أخرى نصابا ومجرما وعربيدا، وبحالات وهيئات متناقضة، ومفارقات عجيبة، بين الفقر والبذخ والإسراف والتعجرف والتوسل والتسول… ويأتيك كل غد بما فيه.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



جريدة أصوات سيتي الإلكترونية :
لن تسمح جريدة "أصوات سيتي" مطلقا بنشر أي مادة تخرج عن إطار الأخلاق الحميدة والآداب العامة أو تتضمن تجريحا للأشخاص والأسماء والرموز والمقدسات، أو تمس بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش، وكل استعمال للكلمات النابية والخادشة للحياء أو المحطة بكرامة الإنسان سوف لن تنشر. وتحتفظ الجريدة بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي هذه الشروط، هذا وإن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن رأي الجريدة وخطها التحريري المشار إليه في ميثاق الجريدة.