اليوم الجمعة 20 يناير 2017 - 03:46

من وحي الحي “الحومة” -8- قيس المدوخ

أخر تحديث : الأربعاء 10 أغسطس 2016 - 6:01 مساءً
بقلم ذ. محمادي راسي | بتاريخ 10 أغسطس, 2016

ليس بقيس بن الخطيم، ولا قيس بن ذريح، ولا قيس بن زهير، ولا قيس بن مكشوح، ولا مرقسيّ ومرئيّ ومرقميّ وامرئيّ، ولا قيس بن الملوح العامري المعروف بمجنون ليلي ولا ولا… إنما هو قيس المدوخ هو مدوخ ومدنخ فعلا، لأن مجنون ليلى كان حبه عذريا، ومات ولم يحقق هدفه، أما المدوخ فمتزوج وله شؤون أخرى، وهو فعلا “مكلخ”، وقد أضناه الحب الذي ليس له دواء… منذ زمن بعيد، يحلم بتحقيق أشياء غير ممكنة، يتفلسف، يترمنس، يتسفسط، يشتاق، يحن، يمشي الهوينا، يكر ويفر، كأن أم ساهرة لسعته، أو أم جنيب لدغته، وأحيانا يلعث ويلعط ويلهث، وأخرى يجنش ويقدم ويحجم، يقف بالرصيف محدقا كأنه يخطط لشيء، أو يقرأ الفضاء، كأنه فلكي حاذق، ويزن الجبال كأنه جغرافي لامع، و يضع التصاميم لبنايات كأنه مهندس بارع، يكرر المشاهد ويتدرب عليها كأنه نجم سينمائي ساطع، ومسرحي فصيح، أو مفكر مستقبليات لما ستكون عليه هذه المدينة البريئة، أو مراقب الشوارع هل هي معبدة أم لا،؟ كأنه أرسل من جهات مختصة، أو حارس العمارات، يراقب الداخل والخارج والحاضر والغائب وما بالمنازل، أو ناطور الحديقة المبغبغة، أو شاعر ينظم الأبيات في الغزل من كثرة الشوق والحنين وفي ليلى كقيس بن الملوح، لا شيء مما ذكر وإنما هو فعلا قيس المدوخ “المكلخ”، لأنه تارة يجمخ ويفحج، يبيض ويصفر، يهذو ويشير ويلوح، وأخرى يتفخل كاللبيب العاقل حينما يفضح، ولكنه أخف حلما من عصفور.

لقد بالغ في الأعمال الشيطانية، وأسرف في الإقبال علي الخندريسية و الحشيشية والقرقوبية، بسبب توفر الغنيمة أيام السيبة والغفلة…، لذلك يظل شاردا تائها، خارجا عن التغطية، يلعب في الزمن الضائع، ويغرد خارج السرب، ولما فضح وافتضح، استيقظ من غفلته وضلالته، غاب عن الشارع، وهجر الرصيف الذي ينزل إليه ليراقب، وكان يعتمد أحيانا على خلانه الأوفياء في الفحش والفسق وإيذاء الجار، اليوم لا يمكثون بالرصيف كما كانوا يفعلون من قبل، لا أدري ما الذي دهاهم وصدهم؟، هل دمغتهم المقالات السابقة…

ولكن؛ أراه يعود إلى عادته بطريقة جديدة، فقد أصبح نادلا يسبق في إحضار الكراسي قبل مسير المقهى بطريقة استراتيجية لجلب الزبن…. وذلك في حاجة في نفس يعقوب للجلوس في المقهى، كي لا يبقى وحيدا في ذلك الفضاء… وكي لا ينتبه إليه أحد وهو وحيد كالبعير الأجرب… ليراقب ثانية الحاضر والغائب والداخل والخارج، وتلكم خصلة قبيحة؛ أن تراقب إنسانا تراه وهو لا يراك، وخصوصا إذا كان جارا مجاورا لك، ومسير المقهى يستفيد من سلوك قيس المدوخ وتشجيعاته…

هذا هو قيس المدوخ المفضوح المكشوف، بل الأبله، لأنه ينتقل من الوقوف بالرصيف طويلا، إلى الجلوس في المقهى كثيرا، ومن الدوخة إلى البلاهة، بسبب الخندريسية والتنفيحية والحشيشية والقرقوبية، وهناك كثير من أمثاله ينهجون هذا النهج ولكن هيهات، يخيلون أنفسهم أبطالا ونجوما، وهم لا يملكون درهما حلالا، ولا حرفا مفيدا، ولا قولا جميلا، ولا فكرا رزينا، ولا خلقا عظيما، ولا رصيدا معرفيا، سيطر عليهم الجهل، ودوختهم القرقوبيات وغيرها، إلى أن جعلتهم يعيشون في عميق من السبات بضم السين، طوال السبات بفتح السين، وخلال ابني سبات تارة، وتارة أخرى يهيجون كالثيران كما في الكوريذا وسان فيرمين، ويقدمون على فعل الشر والتشرميل وهم لا يشعرون، وما بالكم إذا تناولوا “كانيبال دروغز” الذي  يحول الإنسان إلى وحش مفترس قتال؟؟.

يا قيس المدوخ إن الظلم مرتعه وخيم، وإيذاء الجار جزاؤه جهنم، والندم لا ينفع، لأنه كما تدين تدان، والأيام تسير وتدور. ينطبق عليك قول الشاعر:

كناطح صخرة يوما ليوهنها //// فلم يضرها، وأوهى قرنه الوعل.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



جريدة أصوات سيتي الإلكترونية :
لن تسمح جريدة "أصوات سيتي" مطلقا بنشر أي مادة تخرج عن إطار الأخلاق الحميدة والآداب العامة أو تتضمن تجريحا للأشخاص والأسماء والرموز والمقدسات، أو تمس بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش، وكل استعمال للكلمات النابية والخادشة للحياء أو المحطة بكرامة الإنسان سوف لن تنشر. وتحتفظ الجريدة بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي هذه الشروط، هذا وإن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن رأي الجريدة وخطها التحريري المشار إليه في ميثاق الجريدة.