اليوم الأحد 22 يناير 2017 - 08:08

من وحي الحي “الحومة” III

أخر تحديث : الإثنين 4 يوليو 2016 - 2:23 مساءً
بقلم ذ.محمادي راسي | بتاريخ 4 يوليو, 2016

غاب البغل الفطن، كما غاب البغلان العاشقان المتجولان في الحديقة طولا وعرضا، ذهابا وإيابا، هل قرأ البغل القارئ ثانية الحلقة الثانية، فقام بإخبار البغلين فورا ، قبل أن يصل وقت السحور، أو غادرت البغال جميعا إلى حديقة أخرى، أو أربابها ربطوها كي لا تخرج للتنزه في الريضة، لأنها تبغبغ ما غرس  فيها ـــ أصبحت يابسة عبارة عن أرض موات ـــ تسقي جذور الأشجار ببولها، وتسمدها بسرجينها وروثها، نيابة عن المكلفين بالحديقة، أو أن الأرباب تعرضوا للغرامة والتأديب، لما تتلفه وتأكله البغال من نجم وعشب، البغال الثلاثة احتجت بسبب حرمانها من الحديقة التي لم تعد صالحة، لذهاب اخضرارها ونضارتها، فهي مربضها ومربطها وحظيرتها ومكان للعشق والحب والاستراحة، وتتساءل؛ لماذا الأغنام ترعى فيها العشب وما لغن من النبات نهارا..؟؟، أمام الأنظار والقائمين بأمور الحديقة، والكلاب الضالة تتهارش وتتعاظل فيها ليل نهار، والجالسون فوق الكراسي يقتلونها دوما بالدوس طوال النهار والليل، باللعب والدردشة وتناول الشيشة، والمتسكعون يتخذونها فندقا ونزلا، ينامون تحت أفنان الدفلى، ولا ينبهون ولا يغرمون، حجج كثيرة أدلت بها البغال الثلاثة، مما أدى إلى انتصارها واستمرارها، بسبب ضعف القائمين بشؤون الحديقة، والغياب والإهمال، وأنا أكتب هذه السطور مر قطيع من الغنم بالحديقة كما العادة يرعى بهدوء، والبغال لها الحق أيضا في أن تفعل ما تريده في هذه الحديقة المهملة، إنها فعلا مهملة…

في “الحومة “حديقة شاسعة بها ثلاث آبار وهي حرى وعطشى، رماها الله بالحرة تحت القرة، وبها ثلاث فساقيّ جافة، طوال الشهور والسنين، ولسقي الحديقة وغسل الشوارع، يكفي كما قلت في مقالات سابقة؛ شاحنة ذات صهريج، وأنبوب، ومساعد السائق، و”الغازوال”، لجلب الماء من الآبار المتواجدة بالحديقة، وإن تعذر الأمر فمن البحر، ذلكم أضعف الإيمان… وهي طريقة اقتصادية لأن النظافة كلفتها مكلفة وتستدعي المواظبة والاستمرارية…. هذه الحديقة المتواجدة في قلب “الحومة”، لا تشتمل على مراحيض لأنه من العار أن يتغوط ويبول البعض في الهواء الطلق أمام الناس…، كل ما لا يجوز جائز، وكل ما هو حرام حلال، الجاهل هو العالم، والرويبضة هو الجهبذ والنطّيس… تناقضات ومفارقات والسلطات غافلة نائمة لاهية شاردة غائبة، عما يروج في هذه “الحومة” وباقي “الحومات”…

هكذا تمر الأيام في هذه “الحومة” بدون جدوى وتذهب سدى، بين القمار والربغ  واللغط  والدردشة والشيشة والقرقوبي، والانتقال من مقهى إلى أخرى، مع الجلوس الطويل، والمكوث والتلبث… والنظر والانتظار… وتتبع عورات الناس والجيران…. مقهى بجوار مقهى، مطعم بجوار مطعم،…. فوضى وسيبة… أطفال صغار يجلسون في المقاهي… لغياب الملاعب للعب فيها بطريقة تربوية منتظمة، والمكتبات الخاصة بهم للقراءة، فالقراءة هي التاريخ والحضارة والتواصل والمعرفة والتقدم والازدهار والوعي والثقافة، ملالة يوسف زاي الطفلة الباكستانية أصغر جائزة نوبل للسلام قالت بهذا المعنى: “طفل وأستاذ وقلم وكتاب بهم يمكن تغيير العالم”، دعت إلى التعلم والقراءة، وأطفالنا نحن يضيعون معظم أوقاتهم في اللعب غير المجدي، والتسكع في شوارع “الحومة” بدون هدف.

في هذه “الحومة” لوحات يصعب فهمها وقراءتها ووصفها ورسمها، فاللوحات الأرضية بعضها معقدة مريضة نفسيا، وأخرى مضطربة عقليا من جراء السموم المعروفة المعهودة المروجة، وأخرى مليئة بالألغاز لا يمكن فكها كالحروف الهيروغليفية، وأخرى جدارية فيها قنافذ ومناجذ وخفافيش ووطاويط، تبدو تارة من النوافذ وتارة تتخفر، كأنها تلعب الغميضة، وتارة تنط وتقفز وتزقزق، وتارة تدور كأنها لسعتها أم ساهرة… تنظر وهي في مكان حالق إلى اليرابيع والكلاب والجعلان في الحديقة، وتنظر إلى السطوح والأفنية والشرفات لتصطاد الفريسة… لوحات سيئة قبيحة، طغت وبزت اللوحات الجميلة الطيبة، لا يستطيع بيلاسكيس ولا ديلاكروى وميرو وموريو وغيرهم رسمها بالريشة، ولا فيكتور هيكو ولا يوسف إدريس ولا يوسف السباعي ولا العقاد المشهور بوصف الموضوعات اليومية وصفها بالقلم.

إنها “حومة” في ضيعة ضائعة مستهلكة مقلدة، ذات شخصية ضعيفة، لا رأي لها، لا تعرف إلا “اشظيح وارديح والتنفيح” والهرج والمرج، لا تبدع ولا  تنتج، إنها تجتر سلوكات وخيمة، لا تستطيع الجهر، ولا الاحتجاج، ولا تغيير المنكر، لأن في كرشها عجينة، إنها “حومة” بلا قلب، ولا وجدان، ولا وعي، ولا حس مشترك، عقلها فارغ، وقلبها مجوف منعدم الحياء والإيمان، والرأفة والحنان، طابعها التصنع والتكلف والتبجح، وغيرها من الصفات السلبية، التي لا تقودنا إلى ما فيه خير “للحومة” والمدينة.

هذه “الحومة” غاب رجالها الأشاوس الجسر الأبرار الأحرار، لذا أصبحت ساحتها خالية، فكثر قليلو الأدب والحياء، يبيضون ويصفرون، فانحلت أخلاقها، وذهبت شخصيتها وعزتها وهيبتها وكرامتها، مشاهد مخجلة أنى اتجهت وجلست… المار بالشارع يرى العزاب في عمارات يطلون من النوافذ وهم عراة أمام الجيران، إنه سلوك تحرشي استفزازي حيواني همجي، لا يمت بصلة بالأخلاق النبيلة ولا الإنسانية، وحق الجار والجوار، إن الذي يؤذي جاره جزاؤه سقر، “وما أدراك ما سقر، لا تبقي ولا تذر”، والبعض من الذين يقدمون على هذا السلوك الذي لا أدري ما هو جزاؤه قانونا؛ يتناقض مع مهمتهم المنوطة بهم، عليهم أن يرجعوا إلى الدراسة من جديد، ليدرسوا في مدرسة علوم التربية الخلقية، لأجل إعادة التكوين، قبل الولوج إلى الوظيفة، انتهى زمن السيبة و”الفننطزية” والعجرفة والهبنقة “واهبل أتعيش”، وأنا ربكم الأعلى، إننا في القرن الواحد والعشرين، وفي زمن دستور جديد، والمواطن اليوم  ليس بمغفل وغر وجاهل، كما يظن هؤلاء السفهاء في هذه المدينة التي يرونها جاهلة ومدينة التهريب فقط ووو…..؟؟اا، بل عليهم أن يرحلوا قبل أن يفضحوا كما رحل واندثر السبتان/ والتنبالة /وصاحب التبان/ وصاحب مرتكب الفحشاء في عاشوراء / وزوزو المفؤود الوافد الجديد،/ وغيرهم من السفهاء الذين كانوا يدعون العظمة، ويفتخرون بالسلطة والقيادة والزعامة والريادة والمال والجاه…. فالكلب كلب ولو طوقته ذهبا.. والقرد سيبقى قردا وإن لبس الحرير والإستبرق والدمقس… وليس هذا بعشك فادرجي… علينا معشر الكتاب أن نكسر الأقلام، إذا لم تقم بدورها النبيل النزيه، والتطهير من شر الطغاة والباغين والظالمين والمتجبرين والمتكبرين والمفشغين والمفجسين، وهلم جرا وسفاهة وظلما وعدوانا وعيثا وفسادا وطيشا… أطيش من فراشة… ورب طلب جر إلى حرب… والشر أخبث ما أوعيت من زاد….؟؟؟اااا.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



جريدة أصوات سيتي الإلكترونية :
لن تسمح جريدة "أصوات سيتي" مطلقا بنشر أي مادة تخرج عن إطار الأخلاق الحميدة والآداب العامة أو تتضمن تجريحا للأشخاص والأسماء والرموز والمقدسات، أو تمس بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش، وكل استعمال للكلمات النابية والخادشة للحياء أو المحطة بكرامة الإنسان سوف لن تنشر. وتحتفظ الجريدة بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي هذه الشروط، هذا وإن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن رأي الجريدة وخطها التحريري المشار إليه في ميثاق الجريدة.