اليوم الإثنين 27 مارس 2017 - 17:21

من وحي الحي “الحومة”

أخر تحديث : الجمعة 24 يونيو 2016 - 3:05 مساءً
بقلم ذ. محمادي راسي | بتاريخ 24 يونيو, 2016

خلال الأيام الأولى من شهر رمضان المعظم، هبت رياح غربية قوية تارة حارة، وتارة باردة، أثارت النقعاء والسفساف، وأرقصت أفنان أشجار النخيل والصفصاف، فجعلتها تترنح يمينا وشمالا، ونقعت حفيفها وحسيسها، كأنها أصيبت بالمس أو الهستيريا، سفت أديم الحديقة، بعثرت أوراقا وأوعية بلاستيكية في السماء تطير طيران الطائرة، وتحوم حوامن البازي الذي يريد فرس فريسته، تعلقت الأكياس البلاستكية بالفسائل اليابسة الجافة التي غرست في يناير المنصرم من هذه السنة، لم تجد من يسقيها ويرحمها، فكأنها دفنت ولم تغرس، فتركوها تموت واقفة وهي حية، كأنها تعرضت للوأد، أو أصابتها الموائد أو المآود، لا شيء من هذا أو ذاك إنه الإهمال والنسيان.

بدت الحديقة لوحة تشكيليية سوريالية حربائية، لا يمكن قراءتها وفهمها واستيعاب مضامينها، من بعد المغرب إلى السحور حركة وضجيج أدمي وضجيج آلي، ومسرحيات واسكيتشات ومونتاجات فوضوية ضوضاوية من نسيج وإخراج الأبيض والأحمر والأخضر…. ألهذا يحب الإنسان الطبيعة؟؟ أظن بهذه الطريقة لا، إنه يحبها بدافع الاستغلال، ولحاجة في نفس يعقوب…

بعد السحور والفجر بغلان يتجولان في هدوء نسبي كالعاشقين الهائمين، يبحثان عن الفتات في القمامات، القطط تعتصم بأبواب المطاعم وجنباتها، والكلاب تحرك أذنابها يمنة ويسرة فرحة بما تراه وتشمه من روائح المشوي والمقلي والمبخر، تنتظر السقاطة، بغل يفر من التعب والعذاب والضرب طوال النهار، ومن حزقه برسن في الخلاء لا يتمتع بالحرية والكرامة، يتجه إلى مكانه المألوف في الحديقة لينام واقفا، وسقفه ولحافه أوراق وأغصان الشجر، تجنبا للندى والبلل، لا يتحرك كالزميت أو الصنم، وأحيانا يحلم فيبدأ بالشحيح وأحيانا يصل إلى السحيل …يحلم على أنه حر، يفعل ما يريد وما يحب… ثم ينطلق بهدوء إلى مربضه أو مربطه في السوق كالمرأب بالنسبة للسيارات …ليستأنف الرحلة في الصباح بجر حمولة من الخضر والفواكه مع الضرب والوخز بدون رفق ولين ويسر ….إن أنصار الرفق بالحيوان سيرفعون دعوة قضائية، ضد هذه المعاملة القاسية للحيوان، الصادرة عن أناس خالية قلوبهم من الرحمة والشفقة والحنان، نعم لتسخير الدواب ولكن بطريقة تربوية لبقة، إن الحيوانات أحيانا تفهم أكثر من الإنسان، وتسدي خدمات جلى للإنسان العاجز أو الأعمى ..فهي جديرة بالاحترام والتقدير.

بعد صلاة الفجر يأتي دور أزيز محركات السيارات المتجهة إلى مليلية المحتلة لأجل التهريب المعيشي، بالإضافة إلى المتجهة إلى ميناء بني انصار قصد تسويق الأسماك إلى نواحي أخرى، بغض النظر عن الراجلين والراكبين الدراجات العادية والنارية، والمتجهين أيضا إلى مليلية للعمل أو للتهريب، وإلى الميناء لشراء الأسماك وبيعها في سوق بني انصار والنواحي.

يأتي دور الطيور بحركاتها من زف ودف وجدف ورفرف، وبأصواتها من عرار وزمار وصفير وهدير وهدهدة وزقزقة وشقشقة، ودور الدواجن كالصياح والزقاء والصقاع للديكة، والنقنقة والقيق والقوقاء للدجج بضم الدال والجيم، هذه الأصوات الحيوانية والآدمية وأصوات المحركات، تساهم في الإزعاج بغض النظر عن الأصوات الطبيعية القوية.

هذا هو جو حي “الحومة” المتصف بالحركة والضجيج وخصوصا في الصيف، والمبالغة في السلوك المرفوض الممارس في بعض الشوارع، وداخل الحديقة من صياح وقمار واستفزاز للجيران… وما يأتي من بعض الزبن الذين لا يبارحون المقاهي، يظلون ليل نهار يراقبون الداخلين والخارجين، ونوافذ وأبواب المنازل، ويتتبعون عورات الناس، وحتى بعض الساكنين من العزب في بعض العمارات… إنها سلوكات مشينة، ومن قلة الحياء، أن تتجسس على إنسان تراه وهو لا يراك، وأخيرا إن إيذاء الجار محرم شرعا وقانونا، جزاؤه دار البوار، هذه قراءة مستعصية مستغلقة لفضاء حي “الحومة “لا تستطيع فهم ما يدور فيه أحيانا  كالمعاني العور .

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



جريدة أصوات سيتي الإلكترونية :
لن تسمح جريدة "أصوات سيتي" مطلقا بنشر أي مادة تخرج عن إطار الأخلاق الحميدة والآداب العامة أو تتضمن تجريحا للأشخاص والأسماء والرموز والمقدسات، أو تمس بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش، وكل استعمال للكلمات النابية والخادشة للحياء أو المحطة بكرامة الإنسان سوف لن تنشر. وتحتفظ الجريدة بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي هذه الشروط، هذا وإن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن رأي الجريدة وخطها التحريري المشار إليه في ميثاق الجريدة.