اليوم الأربعاء 29 مارس 2017 - 22:00

هل عاد نظام القيصر إلى روسيا؟

أخر تحديث : الجمعة 8 يناير 2016 - 10:22 صباحًا
بقلم: الحموتي محمد | بتاريخ 8 يناير, 2016

دأبت العديد من مؤسسات الرأي والفكر السياسي على اختلافها على التأكيد لأهمية التاريخ لفهم وتحليل أي نظام سياسي مهما كانت عقيدته أو توجهاته، وهذا المنهج ينطبق على النموذج السياسي للدب الروسي، والملاحظ للشأن السياسي الروسي يستشف أنه لم يطرأ عليه تغير منذ عهد القياصرة سواء على مستوى النهج أو الأهداف الإستراتيجية المسطرة٬ ويمكن إيجازها في فكرتين:

-الاستبداد بمعنى السيطرة والتحكم بخيرات شعب روسيا٬ وأما الفكرة الثانية فتتلخص في التوسع الجغرافي على حساب الجيران تحت مصوغات عدة حماية المصالح العليا لروسيا كما كان الشأن في عهد القياصرة والشيوعيون من بعدهم أو حماية الأقليات الروسية٬ أزمة أوكرانيا أو حماية الحلفاء كما يحدث الآن في سوريا والتدخل المباشر لروسيا بغرض حماية نظام الأسد رغم المجازر المرتكبة في حق الشعب السوري التواق إلى الحرية والديمقراطية.

بمعنى آخر أن الأطماع الإستراتيجية لروسيا لم تتغير رغم تغير الأزمنة والأنظمة٬ وقد ذهب مجموعة من الدارسين للشأن السياسي الروسي إلى اعتبار أن النظام السياسي في روسيا لم يشملها أي تغيير رغم تغير النظم الحاكمة٬ على اعتبار أن الثورة الروسية جاءت بطبقة جديدة لكنها لا تختلف عن سابقتها (القيصرية والإقطاعية) من حيث الاستبداد والبشاعة في ارتكاب الجرائم والتوسع على حساب الشعوب الصغرى٬ الرفيق سطالين لا يختلف عن القيصر ايفان الرهيب في استعباد الشعوب والرغبة في التوسع على جميع الجبهات.

والأمور لم تتغير مع مجيء السيد بوتين إلى الحكم رغم تغير الوضع الدولي والانهيار الكبير للاتحاد السوفيتي٬ وظهور لاعبين جدد على المشهد الدولي الصين٬ الهند٬ والبرازيل فالسيد بوتين ارتكز في إستراتيجيته على فرض الاستقرار الداخلي ولو عن طريق القوة (الشيشان نموذجا) والتحكم في الاقتصاد الروسي بوضع اليد عن النفط الروسي وعدم فسح المجال لظهور خصوم سياسيين قد يفشلون طموحه السياسي وهو البقاء أطول مدة في الحكم.

ولقد تأتى له ذلك على مستوى الساحة الداخلية مما منحوه الفرصة لمحاولة إعادة أمجاد القياصرة في التوسع وفرض روسيا كقوة عسكرية عالميا.

وكانت بداية هذا التوسع تتضح معالمه في جورجيا عن طريق اقتطاع إقليم أبخازيا ثم التحرك ناحية أوكرانيا فضم إليه منطقة القرم مدعيا أنها إقليم روسيا وأن الرئيس يلت سين كان في حالة سكر عندما وقّع على منحها للاكرانيين ووحشية النظام القيصري لبوتين لا يكتفي بهذا القدر من التوسع بل هناك طموح جغرافي أكثر من ذلك٬ فبعض الخبراء يعتقدون أن بوتين يسعى إلى محاولته التوسع على حساب الجمهوريات السوفياتية السابقة مما حذا به إلى رفض أي انضمام للدول المجاورة لروسيا إلى حلف الناتو على اعتبار أنها منطقة إستراتيجية وحيوية للكرملين ويشكل ذلك تهديدا لإمبراطورية بوتين.

ومن المظاهر كذلك الداعمة لفكرة بوتين إعادة أمجاد الماضي التوسعي محاولة إحياء القواعد العسكرية خارج روسيا سواء في أرمينيا أو أبخازيا٬ وكذلك وهنا الأهم القاعدة العسكرية في سوريا لحماية الحليف السابق لروسيا٬ والمجازر التي ترتكبها روسيا باسم محاربة الإرهاب ما هي إلا ذر الرماد في العيون٬ لأن بوتين يعلم جيدا أن بشار الأسد يعتبر آخر حليف ديكتاتوري لروسيا الاتحادية وبالتالي خلو منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من حلفاء روسيا بعد إسقاط معمر القدافي وعبد الله صالح الرئيس الليبي

وهذا الوضع دفع سياسة الكرملين إلى الوقوف بقوة إلى جانب النظام البعثي السوري بغرض إعادة ولو قليلا من هيبة الإمبراطورية الروسية في المنطقة.

إلا أني ألاحظ أن النظام الروسي لن يستطيع الثبات على هذا الموقف لمدة طويلة نظرا لظروف اقتصادية واجتماعية في روسيا٬ أي روسيا ليست بالقوة الاقتصادية التي تستطيع أن تتحمل هذا المأزق لمدة طويلة٬ كما أن المجتمع الدولي وعلى رأسها الولايات المتحدة لن تصمت لمدة طويلة على هذه المجازر في سوريا خصوصا وأن الانتخابات الرئاسية في أمريكا على الأبواب وصعود الجمهوريين يعني سياسة مغايرة تجاه المنطقة٬ كما أن إرادة الشعوب أقوى من اعتدى الجيوش فلا مناص من عودة الحق للشعوب. وروسيا لن تعود كسابق عهدها لأن الأرقام والوقائع تؤكد أنها بلد ضعيف بالمقارنة ببعض الدول الأوربية كإسبانيا مثلا.

فابن خلدون سبق وأكد القاعدة٬ أن الدول كالإنسان تولد وتكبر وتشيخ ثم النهاية٬ وروسيا تعيش مرحلة الشيخوخة٬ والقيصر مهما حاول فإنه يعجز على إحياء شبابه وحيويته٬ إنه يحتضر.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



جريدة أصوات سيتي الإلكترونية :
لن تسمح جريدة "أصوات سيتي" مطلقا بنشر أي مادة تخرج عن إطار الأخلاق الحميدة والآداب العامة أو تتضمن تجريحا للأشخاص والأسماء والرموز والمقدسات، أو تمس بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش، وكل استعمال للكلمات النابية والخادشة للحياء أو المحطة بكرامة الإنسان سوف لن تنشر. وتحتفظ الجريدة بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي هذه الشروط، هذا وإن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن رأي الجريدة وخطها التحريري المشار إليه في ميثاق الجريدة.