اليوم الخميس 30 مارس 2017 - 23:45
أخر تحديث : الخميس 21 أبريل 2016 - 1:25 مساءً

الملك محمد السادس في أقوى خطاب له في القمة المغربية الخليجية

الملك محمد السادس في أقوى خطاب له في القمة المغربية الخليجية
بتاريخ 21 أبريل, 2016

ألقى الملك محمد السادس، خطابا أمام القمة المغربية الخليجية التي افتحت اليوم الأبعاء 20 أبريل الجاري، بالرياض.. و في ما يلي نص الخطاب:

“الحمد لله، والصلاة و السلام على مولانا ر سول الله و آله وصحبه.

إخواني أصحاب الجلالة و السمو،

أصحاب المعالي والسعادة،

جئت اليوم، بقلب ملؤه المحبة والاعتزاز، كعادتي عند ما أحل بمنطقة الخليج العربي.

وأود بادئ ذي بدء، أن أعبر عن شكري لأخينا خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، على تفضله باستضافة هذه القمة الهامة، ولكافة قادة دول مجلس التعاون الخليجي، على مشاركتهم فيها.

كما أعرب لكم عن اعتزازي وتقديري ، للدعم المادي والمعنوي الذي تقدمونه للمغرب، في انجاز مشاريعه التنموية، والدفاع عن قضاياه العادلة.

فلقاؤنا اليوم، يجسد عمق روابط الأخوة و التقدير، التي تجمعنا، وقوة علاقات التعاون والتضامن، بين بلداننا.

فرغم بعد المسافات الجغرافية، التي تفصل بيننا، توحدنا والحمد لله، روابط قوية، لا ترتكز فقط على اللغة والدين و الحضارة، وإنما تستند أيضا، على التشبث بنفس القيم والمبادئ، وبنفس التوجهات البناءة.

كما نتقاسم نفس التحديات، ونواجه نفس التهديدات، خاصة في المجال الأمني.

ولكن، لماذا هذه القمة الأولى من نوعها ولماذا اليوم؟

إخواني أصحاب الجلالة والسمو،

لقد تمكنا من وضع الأسس المتينة لشراكة استراتيجية، هي نتاج مسار مثمر من التعاون ،على المستوى الثنائي، بفضل إرادتنا المشتركة.

فالشراكة المغربية الخليجية، ليست وليدة مصالح ظرفية، أو حسابات عابرة. وإنما تستمد قوتها من الإيمان الصادق بوحدة المصير، ومن تطابق وجهات النظر، بخصوص قضايانا المشتركة.

لذا، نجتمع اليوم، لإعطاء دفعة قوية لهذه الشراكة، التي بلغت درجة من النضج، أصبحت تفرض علينا تطو ير إطارها المؤسسي، وآلياتها العملية.

وهي خير دليل على أن العمل العربي المشترك، لا يتم بالاجتماعات والخطابات ولا بالقمم الدورية الشكلية، أو بالقرارات الجاهزة، غير القابلة للتطبيق، وإنما يتطلب العمل الجاد، والتعاون الملموس، وتعزيز التجارب الناجحة، والاستفادة منها، وفي مقدمتها التجربة الرائدة لمجلس التعاون لدول الخليج العربي.

إنها رسالة أمل لأنفسنا، واشارة قوية لشعوبنا، على قدرتنا على بلورة مشاريع تعبوية مشتركة.

أصحاب الجلالة والسمو،

إن هذه القمة تأتي في ظروف صعبة. فالمنطقة العربية تعيش على وقع محاولات تغيير الأنظمة و تقسيم الدول، كما هو الشأن في سوريا والعراق وليبيا. مع ما يواكب ذلك من قتل و تشريد وتهجير لأبناء الوطن العربي.

فبعدما تم تقديمه كربيع عربي، خلف خرابا ودمارا ومآسي إنسانية، ها نحن اليوم نعيش خريفا كارثيا، يستهدف وضع اليد على خيرات باقي البلدان العربية، ومحاولة ضرب التجارب الناجحة لدول أخرى كالمغرب، من خلال المس بنموذجه الوطني المتميز.

إننا نحترم سيادة الدول، ونحترم توجهاتها، في إقامة وتطوير علاقاتها، مع من تريد من الشركاء .

ولسنا هنا لنحاسب بعضنا على اختياراتنا السياسية والاقتصادية.

غير أن هناك تحالفات جديدة، قد تؤدي إلى التفرقة، وإلى إعادة ترتيب الأوراق في المنطقة. وهي في الحقيقة، محاولات لإشعال الفتنة، و خلق فوضى جديدة، لن تستثني أي بلد. وستكون لها تداعيات خطيرة على المنطقة، بل وعلى الوضع العالمي.

ومن جهته فالمغرب رغم حرصه على ا لحفاظ على علاقاته الاستراتيجية مع حلفائه، قد توجه في الأشهر الأخير ة نحو تنويع شراكاته، سواء على المستو ى السياسي او الاستراتيجي أو الاقتصادي.

وفي هذا الإطار، تندرج زيا رتنا الناجحة إلى روسيا، خلال الشهر الماضي، والتي تميز ت بالارتقاء بعلاقاتنا إلى شراكة استراتيجية معمقة، والتوقيع على اتفاقيات مهيكلة، في العديد من المجالات الحيوية.

كما نتوجه لإطلاق شراكات استراتيجية مع كل من الهند وجمهورية الصين الشعبية، التي سنقوم قريبا، إن شاء الله، بزيارة رسمية إليها.

فالمغرب حر في قراراته واختياراته وليس محمية تابعة لأي بلد. وسيظل وفيا بالتزاماته تجاه شركائه، الذين لا ينبغي أن يروا في ذلك أي مس بمصالحهم

و من ثم، فإن عقد هذه القمة، ليس موجها ضد أحد بشكل خاص، و لاسيما حلفاءنا. إنها مبادرة طبيعية و منطقية لدول تدافع عن مصالحها، مثل جميع الدول، علما أن أشقاءنا في الخليج، يتحملون تكاليف وتبعات الحروب المتوالية، التي تعرفها المنطقة.

أصحاب الجلالة والسمو،

إن الو ضع خطير، خاصة في ظل الخلط الفاضح في المواقف، وازدواجية الخطاب بين التعبير عن الصداقة والتحالف ، ومحاولا ت الطعن من الخلف.

فماذا يريدون منا ؟

إننا أما م مؤامرات تستهدف المس بأمننا الجما عي. فالأمر وا ضح، ولا يحتاج إلى تحليل. إنهم يريدون المس بما تبقى من بلداننا، التي استطاعت الحفاظ على أمنها واستقرا رها، وعلى استمرار أنظمتها السياسية.

وأقصد هنا دول الخليج العربي و المغرب والأردن، التي تشكل واحة أمن وسلا م لمواطنيها، وعنصر استقرار في محيطها.

إننا نواجه نفس الأخطار، ونفس ا لتهديدات، على اختلا ف مصادرها و مظاهرها.

فالدفاع عن أمننا ليس فقط واجبا مشتركا،بل هو واحد لا يتجزأ. فالمغرب يعتبر دائما أمن و استقرار دول الخليج ا لعربي، من أ من المغرب. ما يضركم يضرنا وما يمسنا يمسكم.

وهو ما يحرص على تجسيده في كل الظرو ف والأحوال، للتصدي لكل التهديدا ت، التي تتعرض لها المنطقة، سواء في حرب الخليج الأولى، أو في عملية إعادة الشرعية لليمن، فضلا عن التعاون الأمني و الاستخباراتي المتواصل.

إخواني أصحاب الجلالة والسمو،

إن المخططات ا لعدوانية، ا لتي تستهدف المس باستقرارنا، متواصلة و لن تتو قف. فبعد تمزيق وتد مير عدد من دول المشرق العربي، ها هي اليوم تستهدف غربه. وآخرها المناورات التي تحاك ضد الوحدة الترابية لبلدكم الثاني المغرب.

وهذا ليس جديدا. فخصو م المغرب يستعملون كل الوسائل، المباشر ة و غير المباشرة في مناوراتهم المكشوفة.

فهم يحاولون حسب الظروف، إما نزع الشرعية عن تواجد المغرب في صحرائه، أو تعزيز خيار الاستقلال و أطروحة الانفصال، أو إضعاف مبادر ة الحكم ا لذا تي، التي يشهد المجتمع ا لدولي بجديتها ومصد اقيتها.

و مع التمادي في المؤامرات، أصبح شهر أبريل، الذي يصادف اجتماعات مجلس الأمن حول قضية الصحراء، فزاعة تر فع أمام المغرب، و أد اة لمحاولة الضغط عليه أحيانا، و لابتزازه أحيانا أخرى.

أصحا ب الجلالة و ا لسمو،

لا يفوتنا هنا، أن نعبر لكم عن ا عتزازنا و تقد يرنا، لوقوفكم الدائم إلى جانب بلادنا في الدفاع عن وحدتها الترابية.

فالصحراء المغربية كانت دائما قضية دول الخليج أيضا. وهذا ليس غريبا عنكم.

ففي سنة 1975، شاركت في المسير ة الخضراء، لاسترجاع أقاليمنا الجنوبية، وفود من السعودية و الكويت وقطر وسلطنة عمان والإمارات، التي تميزت بحضور أخينا سمو الشيخ محمد بن زايد آ ل نهيان ولي عهد أبو ظبي، ا لذي كان عمر ه آ نذاك 14 سنة.

ومنذ ذلك الو قت، لم تد خر دول الخليج أي جهد، من أجل نصرة قضيتنا العادلة، والدفاع عن سيادة المغرب على كامل أراضيه. وهو ما أكد تموه خلال الأزمة الأخيرة مع الأمين العام للأمم المتحد ة.

غير أن الوضع خطير هذ ه المرة، و غير مسبو ق في تا ريخ هذا النزاع المفتعل، حول مغربية الصحراء.

فقد بلغ الأمر إلى شن حرب بالوكالة، باستعمال الأمين العا م للأمم المتحدة، كو سيلة لمحاولة المس بحقوق المغرب التاريخية والمشروعة في صحرائه، من خلال تصريحا ته المنحازة، و تصرفاته غير المقبولة، بشأن الصحراء المغربية.

ولكن لا تستغربوا. فإذا عرف السبب، بطل العجب. فماذا يمكن للأمين العام، أن يفعله وهو يعتر ف بأنه ليس على اطلاع كامل على ملف الصحراء المغربية، مثل ا لعد يد من ا لقضايا الأخرى بل إنه يجهل تطو راته الدقيقة، وخلفياته الحقيقية.

و ماذا يمكن للأمين العام القيام به، و هو رهينة بين أيدي بعض مساعد يه و مستشاريه، الذ ين يفو ض لهم الاشراف على تدبير عدد من القضايا الهامة، و يكتفي هو بتنفيذ الاقتراحات التي يقدمونها له.

ومعروف أن بعض هؤلاء الموظفين لهم مسارات وطنية، وخلفيات سياسية، ويخد مون مصا لح أطر ا ف أخر ى، دون التزام بما يقتضيه منهم الانتماء لمنظمة الأمم المتحدة، من واجب الحياد و الموضوعية، الذي هو أساس العمل الأممي.

فالأمين العام، رغم تقديرنا الشخصي له، ما هو إلا بشر. لا يمكنه الإلمام بكل القضايا المطروحة على الأمم المتحدة، وإ يجاد ا لحلول لكل الأزما ت و الخلافات عبر العالم.

و أود التأكيد هنا، أن المغرب ليس له أي مشكل مع الأمم المتحدة، التي هو عضو نشيط فيها، و لا مع مجلس الأمن، ا لذي يحتر م أعضاءه، ويتفاعل معهم باستمرار؛ وإ نما مع الأمين العام، وخاصة بعض مسا عديه، بسبب مواقفهم ا لمعادية للمغرب.

والمغرب كان دائم التنسيق، بخصوص هذا النزاع المفتعل، حو ل وحدتنا الترابية، مع أصدقائه التقليديين، كالولايات المتحدة الأمريكية و فرنسا و إسبانيا، و مع أشقائه العرب، خاصة دول الخليج، والأفارقة كالسنغال وغينيا وكوت ديفوا ر والغابون.

غير أن المشكل يبقى مطروحا مع ا لمسؤولين بالإدارات، التي تتغير بشكل مستمر، في بعض هذ ه الدول.

و مع كل تغيير يجب بذ ل ا لكثير من الجهود ، لتعر يفهم بكل أبعاد ملف الصحراء المغربية ،و بخلفياته الحقيقية، وتذ كيرهم بأن هذاا لنزاع ،ا لذي دام أ ز يد من أربعين سنة، خلف العديد من الضحايا، وتكا ليف مادية كبير ة، وبأن قضية ا لصحراء هي قضية كل المغاربة، و ليست قضية القصر الملكي لوحده.

أصحاب الجلالة والسمو،

لقد حان و قت الصدق و الحقيقة. إن العالم ا لعربي يمر بفترة عصيبة. فما تعيشه بعض ا لدول ليس استثناء، و إ نما يد خل ضمن مخططات مبرمجة، تستهدفنا جميعا.

فالإرهاب لا يسيء فقط لسمعة الإسلام و المسلمين، وإنما يتخذه البعض ذريعة لتقسيم دولنا، و إشعال الفتن فيها.

وهو ما يقتضي فتح نقاش صريح وعميق، بين المذ اهب الفقهية، قصد تصحيح المغالطات، وإبرا ز الصورة الحقيقية للإسلام، والرجوع للعمل بقيمنا السمحة.

إن الأمر لا يتعلق بقضية في دولة معينة، وإنما بحاجتنا إلى وعي جماعي بهذه التحديات، وبإرادة حقيقية لتجديد عقدنا الاستراتيجي مع شركائنا، بناء على محددات واضحة المعالم، تضبط علاقاتنا خلال العشريات المقبلة.

إننا نعيش مرحلة فاصلة، بين ماذا نر يد، و كيف يريد الآخرون أن نكون.

إننا اليوم، أكثر حاجة لوحدة ووضوح المواقف، بين كل الدول العربية. فإما أ ن نكون جميعا كالجسد الواحد والبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضا، أو أن نكون كما لا نريد.

وفقنا الله لما فيه خير شعوبنا وأمتنا.

و السلام عليكم و رحمة الله تعالى وبركاته

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



جريدة أصوات سيتي الإلكترونية :
لن تسمح جريدة "أصوات سيتي" مطلقا بنشر أي مادة تخرج عن إطار الأخلاق الحميدة والآداب العامة أو تتضمن تجريحا للأشخاص والأسماء والرموز والمقدسات، أو تمس بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش، وكل استعمال للكلمات النابية والخادشة للحياء أو المحطة بكرامة الإنسان سوف لن تنشر. وتحتفظ الجريدة بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي هذه الشروط، هذا وإن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن رأي الجريدة وخطها التحريري المشار إليه في ميثاق الجريدة.