اليوم السبت 25 مارس 2017 - 05:46
أخر تحديث : الإثنين 12 سبتمبر 2016 - 11:56 مساءً

طقوس الاحتفال بعيد الأضحى بالمغرب هل لها علاقة بديانة أمازيغية قديمة

طقوس الاحتفال بعيد الأضحى بالمغرب هل لها علاقة بديانة أمازيغية قديمة
بتاريخ 12 سبتمبر, 2016

يعتبر موضوع “الذبيحة والمسخرة” من أكثف وأعقد الميادين الإثنولوجية التي أسالت الكثير من المداد على مدى قرن من الزمان، ويمكن القول أن الدراسات الفرنسية حول “الذبيحة والمسخرة”،وحول الطقوس والعادات المغربية بشكل عام قد سادها الكثير من التحيز الإيديولوجي والفقر المعرفي خصوصا في الشق المتعلق بفلسفة الإسلام الاعتقادية والسلوكية.

ومعلوم أن مغرب اليوم يحمل “ذاكرة” ثقافية يُعتَبَر الخفيُّ أحد مكوناتها الأساسية في الشِّقّ الإسلامي من هذه الثقافة على الأقل؛ أقول “في الشق الإسلامي على الأقل” لأنه بات شبه مؤكَّد أنه عندما توجد ثقافة ما في سياق هيمنة تكون فيه الغلبة لثقافة أخرى، فإن العديد من عناصر الثقافة الأولى تتمكن من الاستمرار في الوضع الجديد وتواصل حياتها بشكل طبيعي، وهذه مسألة طبيعية ملازمة للاجتماع البشري غير أنها لا تفسر كل شيء.

ويعتبر مولييراس من الأوائل الذين تطرقوا لموضوع الطقوس الاحتفالية بالمغرب عبر ما يسميه “كرنفال جبالة”، وقد اعتمد في جمع مادته “الإثنوغرافية” على مخبر التقى به في وهران. وعلى الرغم عن هذا البعد عن “مسرح الاحتفال”، فإن دراسة مولييراس اتسمت بكثير من الدقة الوصفية بما شهِد عليه من عاينوا تلك الاحتفالات بعده.

ويصف مولييراس في الطقوس الاحتفالية الأعمال التي يقوم بها “المقنعون” على مدى ثلاثة أيام تبتدئ بعد عيد النحر. ويشخص المقنعون العشرة عشر شخصيات يعتبر الشخص المركزي فيها شخص يحمل اسم “بّا الشيخ” Ba-Chikh وهو يطابق بالنسبة لمولييراس شخصية “كارنفال”carnaval.

وتدور أحداث الاحتفال عبر تيمات يمكن تلخيصها في “الخصب” و”العطاء” و”الفحولة” والعلاقة بين الجنسين، كل ذلك في علاقة مع دورة الإنتاج السنوية بالشكل الذي يفضي-نظريا- إلى حوار بين الفاعلين الاجتماعيين ومحيطهم الطبيعي والإنساني.

بعد مولييراس سينبري كل من إيدمون دوتي وإميل لاووست للبحث عن الدين البدائي للأمازيغ، معتقدين أنه بإمكانهما تحقيق ذلك بواسطة “البقايا” débris التي ظنا أنهما عثرا عليها في “الدورة السنوية للاحتفال”.

إن لاووست ينطلق من فرضية أساسية في دراسته للاحتفالات الكرنفالية في كل من “عاشوراء” وعيد الأضحى، سواء تعلق الأمر باحتفال موسمي أو مرتبط بوقت معين في “التقويم الشمسي”.

وتدور هذه الفرضية حول “مأساة موت وبعث الإله” التي “تحتفل” بوداع سنة منقضية شائخة ومحتضرة وببداية فترة جديدة؛ يتعلق الأمر-حسب لاووست- بديانة قديمة هي “ديانة تجديد الطبيعة”renouveau de la nature. وقد اندمجت بهذه الديانة “لواحق” ممثلة في معتقدات مسيحية وبعدها أخرى إسلامية.

لقد نظر كل من دوتيه ولاووست إلى الماضي، ليس الماضي الإسلامي للشعوب التي وصفوا عاداتها بل بحثوا في التاريخ الروماني والمسيحي وقبله تاريخ أمازيغي بعيد الغور.. إن البحث عن هذا الماضي الذي يشكل فيه التاريخ الإسلامي لشمال إفريقيا “حقبة” بسيطة توضع بين قوسين سيشكل العمل الأبرز لخلفاء مولييراس .

إن الفرضيات التي اعتمدها هؤلاء الباحثون لشرح أصل الطقوس المحلية المرتبطة بالطبيعة، ترتكز على نظرية الإله الخافت/ والمحتضر، التي صاغها جيمس فرايزر، أكثر من ارتكازها على الوقائع المحلية، ثم تأتي أعمال ألفريد بيل Alfred Bel الذي يؤكد على غياب “تاريخ ديني لشمال إفريقيا”، وهذا كلام وجيه، لكنه يعتقد-بشكل جزافي- أن هذا التاريخ لو كتب لكانت مكانة مهمة قد شغلتها الممارسات الدينية ما قبل إسلامية، وهو الأمر الذي يلتقي فيه مع دوتي.

والحال أن التطورية-المقارنة لفرايزر تسيطر بشكل كبير على أعمال كل من دوتي ولاووست وبيل. وتبدو نزعتهما التطورية في اعتبارهم “الأضحية المسيحية” sacrifice chrétien نقطة وصول لمسار مرت منه بالضرورة كل أشكال الطقوس والمعتقدات الأخرى، و كان سيكون مصير “ديانة الأمازيغ القدامى” اللحاق بنقطة الوصول هذه لولا عقبة الإسلام، وإن هذا الأمر الذي يفصح عنه دوتي بشكل صريح يبدو ضمنيا في أعمال إميل لاووست الذي سار على نهج أستاذه دوتي..

لقد كان دوتي مطلعا على مفاهيم مدرسة دوركهايم، بل إنه لما أراد تفسير “الأضحية” بشمال إفريقيا استعان بمنهج هوبير وموس ، لكن ما يهمه ليس نظرية حول “الأضحية”، لكن البحث عن “ديانة أصلية للأمازيغ” في كل الطقوس المعاينة.

إن طقس الذبح الإسلامي الذي يسبق “المسخرة” mascarade يطلق عليه دوتيه اسم “أضحية الإسلام الأرثوذوكسي”، وهو يجس نبضه متعقبا “بقايا” عصر سحري سابق؛ عصر تمثل في روحانية أساسها الخوف والرجاء، باعتبارهما ركني السلوك الديني السحري الأصلي بالمفهوم الفرايزري للكلمة. ويعتقد دوتي أنه اكتشف في “فعل الأضحية الإسلامي” طابع المعتقدات القديمة رغم الجهود التي بذلها الفقهاء من أجل تعويض السلوكات والأحاسيس الأصلية بأخرى تطهيرية تقرب من الله.

لقد اعتقد Doutté أنه وجد في “الذبيحة” الإسلامية الوظائف الثلاث التي يعتبرها أتباع مدرسة دوركهايم أساس كل الذبائح : المشاركة communion، والتطهير purification، و التكفير expiation، وتجسد هذه الأخيرة بكبش الفداء bouc émissaire ؛ الشيء الذي أتاح لدوتيه المضي في تحليل يوافق “العقيدة” الفرايزرية وصولا إلى طرح نظريته الخاصة حول “الذبيحة” بشمال إفريقيا انطلاقا من تمظهراتها الطقسية المختلفة.

ويرى دوتي أنه وجد في “الذبيحة الإسلامية” بقايا متناثرة مخبأة، ملفوظة أو مستوعبة من طرف الإسلام لما يمكن تسميته بالمأساة. بعد ذلك يمر دوتي إلى مقارنة هذا “المسار التطوري” للذبيحة الإسلامية بما آلت إليه مكونات المأساة الأصلية في القربان المسيحي. ويبدو دوتي كامل الصراحة حينما يقرر بأن “الذبيحة” المسيحية قد تطورت بشكل نموذجي منقطع النظير تبرره فكرة “فداء العالم” la rédemption du Monde، بينما الإسلام لم يصل حسب دوتي إلى العتبة نفسها، وتدل مجموعة من البقايا في “الذبيحة الإسلامية” على صمود أشكال عتيقة من التواصل مع الإله..

في المقابل نجد إيدوار ويسترمارك ينطلق من تحليل مختلف على الرغم من اشتغاله على مادة إثنوغرافية مشابهة؛ سنة 1926 سينشر كتابه الرئيسي : الطقوس والمعتقدات بالمغرب، وقد قام ويسترمارك بجهد كبير على مستوى جمع “المادة الإثنوغرافية”، وترتب على عمله الميداني عمل واضح المعالم، مع حضور فكري كبير واستنتاجات صائبة؛ لكن صياغة عمله على شكل “ملفات” كبرى ربط فيها ويسترمارك بين “المعطيات” الإثنوغرافية والمناطق الجغرافية جعلتنا لا نعثر على تفسير كلي للوقائع .

إن رفض ويسترمارك لأطروحة “الديانة الأصلية للأمازيغ” جعلت عمله يتسم بكثافة تحليلية استمدت من الوقائع كما تمت معاينتها في مسرح الأحداث الاحتفالية، وليس من ماض يتصور أنه المفسر للأحداث المعاينة. والملاحظ أن ويسترمارك قد اهتم هو أيضا ببقايا الديانات القديمة على أرض المغرب، وهو ما شكل عنوانا لكتابه الثاني الأبرز حول المغرب، لكن تميز ويسترمارك يتمثل في أخذه بعين الاعتبار بنية الحدث الذي يصفه كما المعتقدات التي يرى الفاعلون الاجتماعيون أنهم يصدرون عنها؛ يتعلق الأمر هنا بالديانة الإسلامية وحضورها كمعطى عقدي واجتماعي في سلوك الفاعلين الذين تمت ملاحظة احتفالاتهم.

لقد عالج ويسترمارك الموضوع ،في جانب منه، في إطار صمود المعتقدات السابقة على الإسلام، والتي حاول العودة بها إلى الحقبة الرومانية، إلا أن مساهمة ” وسترمارك”من خلال اشتغاله التأويلي وذلك بربطه لكل حدث وواقعة بأفعال ووقائع مشابهة أو معارضة، وارتكازه تأويليا على القول المأثور والأمثال باعتبارها تأويلا أهليا ومحليا لهذه الوقائع “الطقوسية”، وارتباطه بالوقائع المحلية لفهم وتأويل الأحداث الدينية، سوف تجعله يتموقع ضد الاثنوغرافيين الفرنسيين، خاصة ألفريد بيل و إميل لاووست و إيدموند دوتيه.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



جريدة أصوات سيتي الإلكترونية :
لن تسمح جريدة "أصوات سيتي" مطلقا بنشر أي مادة تخرج عن إطار الأخلاق الحميدة والآداب العامة أو تتضمن تجريحا للأشخاص والأسماء والرموز والمقدسات، أو تمس بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش، وكل استعمال للكلمات النابية والخادشة للحياء أو المحطة بكرامة الإنسان سوف لن تنشر. وتحتفظ الجريدة بحقها في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي هذه الشروط، هذا وإن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن رأي الجريدة وخطها التحريري المشار إليه في ميثاق الجريدة.